«الصباح الجديد» تكشف ما لم ينشر عن مواقف صدام حسين السرية لآخر عقدين من حكمه

أشرطة تسجيل صدام

الحلقة 17
هذا الكتاب ترجم وأعدّ للنشر من قبل «دار الجمل» في ألمانيا بعنوان (أشرطة تسجيل صدام.. الأعمال السرية لنظام استبدادي 1978-2001) وتنشره «الصباح الجديد» استباقاً على حلقات، وتستند معلوماته الى آلاف الساعات من التسجيلات السرية للاجتماعات، والاتصالات الهاتفية، والمؤتمرات التي عقدها صدام حسين طوال أكثر من عشرين سنة قبل سقوط نظامه عام 2003 إذ وقعت تسجيلات هذه الوثائق بيد قوّات الاحتلال وأعدت من قبل (معهد التحليلات الدفاعية) لمكتب نائب وزير الدفاع لشؤون السياسة، وهي مزودة بالهوامش للتسجيلات الصوتية للاجتماعات بين صدام وحاشيته، ويفهم من المقدمة أن الباحثين سيزودون بتبصرات مهمة للأعمال السرية للنظام.
وضمناً سيطرح الكتاب سلسلة من الأسئلة التأريخية. كيف كان رد فعل صدام حيال ضغوطات حروبه؟ كيف كان يدير عالمه الميكافيلي الذي خلقه هو بنفسه؟ كيف كان رد فعله إزاء إشارات وأفعال المجتمع الدولي في القضايا المتعلقة بالحرب والسلام؟ هل كان هناك اختلاف بين صدام العلني وصدام الشخصي في ما يتصل بالمسائل الحساسة بالدولة؟.
اما معدّو هذه الوثيقة فهم، كيفن أم. وودز: عضو في هيئة البحث التابعة لـ (معهد التحليلات الدفاعية). نُشرتْ دراساته عن العراق في (الشؤون الأجنبية)، (مجلة الدراسات الإستراتيجية والأمن القومي) وهو ضابط اميركي متقاعد، وديفيد دي. بالكي: نائب مدير وباحث في المركز له رسالة دكتوراه في موضوعات هذه الوثيقة، ومارك إي. ستاوت: محاضر في كلية كريغر للآداب والعلوم التابعة لجامعة جونز، وهوً مؤرخ في متحف التجسس العالمي بواشنطن.
تحـريـر :
كيفن م. وودز
ديفيد د. باكي
مارك إي. ستوت
تـرجمـة :
علي عبد الأمير صالح

طارق عزيز بدمٍ باردٍ: لقد ذبحنا عشرات الآلاف من المعارضين
صدام يتحدث عن خطة استدراج الشيوعيين الى التحالف.. ثم التنكيل بهم
*في التالي مواصلة لمناقشات يجريها صدام حسين مع اركان القيادة البعثية حول الموقف من المعارضات المحلية الدينية وغيرها..
طارق: لديّ إيضاح، في الحقيقة، لم أكنْ قادراً على التعبير عن نفسي بدقة، لكنني لا أعتبر أن مهمتنا الرئيسة من قبل أو في الوقت الحاضر باعتبارها نضالاً ضد التيار الديني البتة على حساب المهمات الجوهرية الأخرى. وأنا أتفق مع ما قاله رفيقنا رئيس الجمهورية عن التعامل مع هذه القضية ضمن الظروف المحسوسة: إذا كان هناك خطر، نحن نقاومه، وإذا لم يكنْ هناك خطر، عندئذ نحن لا ننخرط في مواجهة أيديولوجية أو سياسية غير ضرورية. إنما دعونا ندرس تجربتنا في العراق بمزيد من العمق ونرَ ما إذا هذا التيار الديني سهل أم لا ومن ثم، هل يمكننا أن نتوصل إلى اتفاق معه؟
كما كان الحال في النصف الثاني من سبعينيات القرن العشرين، كان نظامنا الرئيس في العراق ضد التيار الديني، وكنا نحارب ضده وليس ضد الدولة الغربية. لو كان العراق دولة غربية خالصة من مثل تركيا – ليست مسلمة وليس لديها نزعة إسلامية – ستكون المسألة مختلفة. إن الأشخاص الذين قاموا بالثورة – بعضهم ما يزالون يعارضوننا في حين أن الآخرين هم جيل هذه الثورة عينها. أعني، نحن في السلطة منذ 18 عاماً، وأن أي فرد يريد أن يعارضنا هو في سن 24، 26، 28، 30، وحتى 36 عاماً نشأ وترعرع في أثناء عهد الثورة.
نحن لسنا شاه إيران، لكننا نظام قومي، مؤيد للعرب، وضد الإمبريالية، اشتراكي، ويعمل من أجل العدالة الاجتماعية، وكما قال السيد الرئيس، لقد وفرنا حتى مصدر العيش للمجانين. لقد قضينا على البطالة خلال أعوام تولي نظامنا للحكم. خلال أعوام نظامنا، العامل الذي كانتْ أجوره تصل إلى 300 فلساً في اليوم الواحد، أصبحتْ أجوره ثلاثة دنانير. نظامنا ليس فاسداً، ونحن لسنا محتالين أو لصوصاً، ونحن أشخاص ذوو سلوك أخلاقي حسن، على خلاف شاه إيران وشقيقاته، وزوجات الأشخاص الذين في السلطة الذين كانوا زناة في باريس، لندن، وسويسرا، ومع ذلك نحن نواجه أشخاصاً يريدون أن يذبحوننا من الأذن إلى الأذن وبعشرات الآلاف. لقد ذبحنا عشرات الآلاف منهم هنا في العراق. في تاريخ النضال الوطني في العراق، لم يُذبح الأشخاص ذوو العقول الضيقة.
صدام: [ يقاطعه. ] لا، ليس هناك [ أصوات متداخلة ].
طارق: هوه؟ بالآلاف. في تاريخ النضال الوطني – في تاريخ النضال الوطني، لم يُذبح الأشخاص ذوي العقول الضيقة، ولم يُذبح الشيوعيون ولا الآخرون، بقدر أولئك الذين، بسبب الطريقة التي كانوا يعملون بها، وصلوا إلى أعلى مستوى من الخيانة الوطنية. حين استخدموا الطائرة المقاتلة والصاروخ كتسلية في بداية الحرب، لقد قتلوا العرب المسلمين العراقيين الذين كانوا زملاءهم في القاعدة الجوية كخدمة يقدمونها إلى إيران، بينما كانوا هم عراقيين، أيضاً. بعضهم ربما كانوا من أصل إيراني، لكن الجزء الآخر كانوا غير عراقيين لأن هذه الأيديولوجية ليستْ سهلة. (1) أعني دعونا نفكر، نعم، إنها ليستْ مهمتنا الرئيسة طالما إننا ما نزال نناضل ضد الإمبريالية والصهيونية، فضلاً عن نضالنا من أجل الوحدة والاشتراكية. نعم، لكن هذه أيديولوجية بسيطة وعلينا أن نتعامل معها بطريقة دبلوماسية إلى أن نرى السبب لذلك الغول [ التيار الديني ] الذي سيبرز في العالم العربي. إن أحد العوامل الرئيسة يمكن أن يكون التسامح الأيديولوجي تجاهه، وأن يكون لطيفاً أكثر منه معارضاً له. أن يكون لطيفاً أكثر منه معارضاً له سيساعد في ظهور غول في مصر، السودان، تونس، المغرب، وفي الأمكنة كلها، لكننا أيديولوجياً أقوياء جداً، أقوياء جداً كنظام، كقائد، وكقيادة. إذاً، نحن لا نقلل من شأن هذا التيار ولا نعتقد أن من السهل التعامل معه. (الأخوان المسلمين) في السودان، نحن بحاجة إلى دراسة الوضع في السودان. إنهم [ الأخوان المسلمين ] لم ينتحلوا السلطة. لقد أصبحوا مثل الشيوعيين في أثناء عهد عبد الكريم قاسم. (2) أعني أنهم كانوا يملكون محكمة سيطروا عليها، لكن بقدر تعلق الأمر بمركز الشرطة أو الصحيفة، أنظروا إلى ما فعله الشعب. ألسنا نناقش هنا في القيادة ما يُفترض بنا القيام به في ما يخص محاكمة الرفاق البعثيين؟ إنه يريد أن يقطع رؤوسهم. أنتم تعرفون ذلك الشخص، ماذا كان اسمه؟ [ كلام غير مسموع في الخلفية ] ماذا؟ نعم، هذا هو ذاك الحاكم ذو الاسم الغريب [ من ] مجاشي. (3) كان يريد أن يعدم البعثيين باعتبارهم كفرة بينما هو لم ينتحلْ السلطة بعد. أعني أن السلطة لم تكنْ بيده !
ذكر 2: النميري، النميري، كان ضد البعثيين [ غير مسموعة ].
طارق: إذاً، المعارضة التي يملكونها في السودان ضد حزب البعث والأحزاب الأخرى ليستْ مسألة قانونية ومحدودة حيث يمكننا أن نكون متسامحين تجاهها. إنها تشكل معارضة خطيرة جداً ! [ ضحك. ] ذكر 2: [ غير مسموعة. ] صدام: حسناً، هذا شيء جيد.
ذكر 2: [ غير مسموعة. ] ذكر 3: قضية المغرب –
ذكر 2: [ غير مسموعة. ] صدام: إنها مجرد الـ [ توقف قصير ] إذاً، لقد خولنا (فوّضنا) رفاقنا في السودان أن يتصرفوا، لأنه إذا كانت الإستراتيجية لا تأخذ الخصوصية بنظر الاعتبار، ستفشل بقدر تعلق الأمر بالإنجاز. إنني أتذكر تحليل (القيادة القومية) وأن علينا أن نمنع الاصطدام مع الشيوعيين بالطريقة نفسها – لكن حين يحين أوان القيام بذلك – لو إننا قمنا بها قبل 1974 – لن يُكتب لها النجاح، أعني قبل 1972 – لن يُكتب لها النجاح، غير أننا كنا قدنا العملية في ذلك الوقت إلى أن أقمنا علاقة، لكنها لم تكنْ علاقة ناجحة ! (4) لذا، فإن الخصوصية مطلوبة ونحن نترك لحقل القيادة حرية القيام بالعمل فيما يتعلق بهذا الأمر، بحيث لا نخسر إستراتيجياً أو تكتيكياً؟ (5)
*لقاء ياسر عرفات
صدام يلتقي بياسر عرفات (الملقب بـ أبو عمار) والوفد الفلسطيني لمناقشة مواضيع مختلفة، من بينها العمليات الإرهابية المحتملة ضد الولايات المتحدة (19 نيسان [ أبريل ] 1990) (6)

صدام: [ يبدأ التسجيل في منتصف جملة ] السياسة العراقية. قالوا إنهم كانوا يريدون أن يصرحوا بذلك للعراق قبل أن يلتقي بي وفد الكونغرس الاميركي، لكن، بما إن وفد الكونغرس الاميركي كان قد التقى بي ولم يستطيعوا أن يسلّموني هذه النقاط، يريدون أن يسلّموها الآن. إن إحدى هذه النقاط التي كانوا يريدون أن يقولوها لي هي: « إن صواريخك التي نشرتها تهدد القواعد الاميركية. « (7) كما قلتَ حين صليتَ في بيروت وقلتَ: « لقد حان وقت الموت، والآن بوسعي أن أشم نسيم الجنة «، الشيء نفسه بالنسبة لنا. بما إن اللاعبين الصغار قد مضوا، وأنه آن الأوان لاميركا لكي تلعب اللعبة مباشرةً، نحن مستعدون لها. نحن مستعدون، سنقاتل اميركا، وبعون الله سنهزمها ونطردها خارج المنطقة كلها، لأنها ليستْ بشأن القتال نفسه. نحن نعرف أن اميركا تملك طائرات مقاتلة أكبر من طائراتنا. اميركا لديها صواريخ أكثر مما نملك. لكنني أعتقد أنه حين يرى الشعب العربي أن فعل الحرب حقيقي، وليس مجرد كلام، سيفعلون الشيء عينه ويقاتلون اميركا في كل مكان. لذا، لكي نكون منصفين، علينا أن نكون مستعدين لمقاتلة اميركا. نحن مستعدون لمحاربتهم عندما يكونون مستعدين. حين يضربون، سنضرب. سنضرب أي قوات أمريكية في الخليج العربي بقوتنا الجوية، وبعدها نباشر بذلك، قائلين إن قوتنا الجوية هجمتْ على القواعد الاميركية في ذلك اليوم.
وبناءً على ذلك، حين تبدأ المعركة، أنت لا تقول: « كم خسرتَ؟ « ولا تكون لديك توقعات، أو حتى تكون لديك بعض التوقعات بشأن نهاية المعركة. إنه ما حدث لنا في أثناء الحرب مع إيران. كانت لدينا الكثير من التوقعات في ما يتعلق بتلك الحرب … لكن حين اندلعتْ الحرب، لم تكنْ لدينا توقعات بشأن كم سنخسر، لأنها كانت خسائر محتومة، لا مناص منها. كنْ مستعداً، إذاً، لهذا المستوى من المعركة في أرضك. إنك لا تملك دولة، إنك لا تملك نفطاً أو مصنعاً لكي يُضرب، على عكسنا. لقد خرجنا من ثمانية أعوام من الحرب.

هوامش:
( 1) يبدو أن طارق يُشير إلى الأنشطة التخريبية من قبل شيعة العراق. في أثناء الحرب العراقية – الإيرانية حاول أعضاء من (حزب الدعوة )، وهي مجموعة معارضة شيعية، علناً تخريب طائرة مقاتلة عراقية. أنظر: SH-PDWN-D-000-240: « كتب رسمية تخوّل إعدام نائب ضابط في القوة الجوية بسبب تخريبه محرك طائرة «، نيسان – أيار (أبريل – مايو) 1986.
(2) كان عبد الكريم قاسم رجلاً عسكرياً وطنياً شبيهاً بجمال عبد الناصر تبوأ السلطة في العراق في 1958 وحكم البلاد كرئيس وزراء حتى انقلاب حزب البعث في 1963.
( 3) مجاشي هو اسم قرية في شمال السودان.
( 4) « تعايش غير مستقر « مع الشيوعيين كان موجوداً في مطلع سبعينات القرن العشرين، على ما يبدو لأن صدام كان بحاجة إلى دعم محلي وكان يسعى إلى التقارب مع الإتحاد السوفييتي. خلال هذه الأعوام، سُمح للشيوعيين بمزيد من حرية التعبير وأُتيحت لهم فرص لتنظيم صفوفهم. في أواخر 1975، على كل حال، بدأتْ بغداد تعتقل وتضايق الشيوعيين العراقيين. في أيار (مايو) 1978، أعدم النظام 21 شيوعياً وبدأ بصورة لا ترحم يسحق الحزب الشيوعي باعتباره قوة في السياسة العراقية. كارش وروستي: « صدام حسين: سيرة ذاتية سياسية «: 96 – 98. (في عقد السبعينات انضم الحزب الشيوعي العراقي إلى الجبهة الوطنية والقومية التقدمية ومارس أنشطته وفتح مقرات له في المحافظات وأصدر الصحف، وفي النصف الثاني من السبعينيات بدأت المضايقات من قبل السلطة وأُجبر الشيوعيين على الفرار خارج العراق أو توقيع تعهد بعدم الانتماء إلى أي حزب عدا حزب البعث – م.) .
( 5) كان جنرالات صدام قد أقنعوه مؤخراً بأن يضمن لهم سيطرة إضافية على العمليات العسكرية. مؤتمر حزب البعث في تموز 1986 أكد هذه التغييرات. فيب مار: « تاريخ العراق الحديث «، الطبعة الثانية (بولدر، CO: مطبعة ويستفيو، 2004 ): 188.
( 6) SH-SHTP-A-001-037: « صدام يجتمع بمسؤولين عراقيين، ياسر عرفات، والوفد الفلسطيني «، 19 نيسان (أبريل) 1990. بينما كان العراقيون قد سجلوا اللقاء على شريط فيديو، التسجيل المتوافر في مركز بحوث تسجيلات النزاع هو ملف صوتي مستقى من بنية الفيديو.
(7) يشير صدام إلى اجتماع قريب العهد كان قد عقده في بغداد مع وفد مجلس الشيوخ الاميركي. كانت سفيرة الولايات المتحدة في العراق أبريل غلاسبي، قد أبرقت إلى واشنطن بواسطة كيبل قائلة: « السيناتور دول Dole غطى ببراعة النقاط التي اقترحها عليه وزير الخارجية في لقائه مع صدام. لم تذكر غلاسبي شيئاً في البرقية فيما يخص أي حذف في الرسالة التي سلمها أعضاء مجلس الشيوخ. أصدر العراقيون نسخة طبق الأصل « كاملة النص « للاجتماع، مع أن السفير السابق لغلاسبي في بغداد (ديفيد نيوتن) الذي رافق أعضاء مجلس الشيوخ في الاجتماع، يدعي أن هذا التقرير العراقي « ترك كل ما هو غير مرغوب به بالنسبة لهم [ العراقيين ] وجعل أعضاء مجلس الشيوخ يبدون وكأنهم حفنة من الحمقى والسذج. « أنظر المصادر الآتية: بغداد 02186: « كودل دول: لقاء مع صدام حسين «، 12 نيسان (أبريل) 1990، متوافر من خلال برنامج مصدر الوثائق المعاد تصنيفه؛ FBIS-NES-90-074، 17 نيسان (أبريل) 1990: « صدام حسين يخاطب أعضاء مجلس الشيوخ الزائرين «، إذاعة بغداد المحلية (بالعربية)، 16 نيسان (أبريل) 1990؛ حوار ديفيد بالكي الهاتفي مع السفير ديفيد نيوتن، 25 آذار (مارس) 2008 .

صدام وعدد من قيادات حزب البعث

لقراءة الحلقات السابقة

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة