التحديثيون العرب نزعوا موضوعة الدولة ـ الأمّة من برنامجهم

من كتاب الانهيار المديد
الفصل الأول.. الحلقة الخامسة

حازم صاغية

هذه رؤية جريئة للغاية عن مقدمات بناء الدولة العربية الحديثة وكيف اسهمت الظروف المتداخلة والمتقاطعة للأوضاع في منطقتنا في اكساء المشروع التحديثي ملامح غير تحديثية . وبالتالي يرسم الكاتب حازم صاغية صورة الاطار المتحكم بتطوير التجربة الفكرية والسياسية والإجتماعية في اوقات متغيرة منحت او سلبت نخبنا مقدرتها على انتقاء مشروعها التحديثي المأمول .
لقد أتت ثورة يناير 2011 لتضعها أمام امتحانات مصيرية . وهذا ما لا يصح في تركيا التي قد تنضم الى الاتحاد الأوروبي ، والتي يتوصل عسكريوها العلمانيون وإسلاميوها الى صيغة ما للتعايش تنهض عليها ديمقراطية على درجة معقولة من الاستقرار . كذلك لا يصح في ماليزيا التي تجد ، منذ تولي مهاتير محمد زعامتها ، من يضرب فيها المثل ، ولو بشيء من المبالغة ، على نجاح المصالحة بين الإسلام والحداثة ، ولا في بنغلاديش التي يتحداها الفقر والتكاثر السكاني وطموحات العسكر ، إلا أنها مع ذلك تحافظ على ديمقراطيتها المشوبة بعيوب كثيرة ، ولا حتى في باكستان المأزومة جداً : صحيح انه منذ جريمة أغتيال بنازير بوتو ، ثم توسع القاعدة فيها ، وصولا الى قتل أسامة بن لادن وما تلاه من أحداث ، والأسئلة الجدية تطرح حول احتمال انخراطها في حرب أهلية وتحولها أخطر بلد في العالم . ولا يكف الإرهاب يجدد تلك الأسئلة ولا سيما ان احتمال الحرب مع الهند لا يكاد يختفي حتى يطل برأسه . غير أن أمر وجود باكستان نفسه ، كوحدة سياسية ، يملك بعض فرص النجاة ، إذ على العالم كله ان يتدبر أمر الاستقرار ، ولو النسبي ، في بلد يعيش فيه قرابة 175 مليون نسمة . ثم أن الموضوع الذي في باكستان ذو حدين ، إذ يجعلها اكثر فأكثر في مرمى المراقبة الدولية . وإذا صح الكلام عن اختراق الحركات الأصولية والأرهابية لبعض أجهزة الدولة والجيش هناك ، وهو في الأغلب صحيح ، بقي ان الانتخابات النيابية العامة التي أجريت مطالع 2008 دلت على ثقل جدي يوازن ذاك الاختراق ، وهو تحديداً القوة التي ما تزال تتمتع بها فكرة السياسة بقيادة أحزاب مدنية ، والتي كانت وراء الهزيمة التي أمكن إلحاقها بالأصوليين .
وهذه الدول جميعاً لا تشابه أوضاع بلدان كالعراق أو لبنان اللذين تقيم فيهما تناقضات الشرق الأوسط كله ، فضلا عن التناقضات الوطنية لكل واحدة منهما . ففيهما تحضر ، ولو بتفاوت ، هموم البلدان الغربية وايران وتركيا وإسرائيل ، ويتجلى ذلك في النفوذ الاستراتيجي والأجهزة الأمنية والاستخباراتية والمصالح الاقتصادية والتأثيرات الثقافية والإيديولوجية . ومع اندلاع الثورة السورية التي سريعاً ما تقاطعت مع النزاع الروسي- الغربي ، وعجت بشتى أصناف النزاعات الأهلية الصغرى ، تبدى كأن العقود الأخيرة من عمر السلطنة العثمانية تنبعث الى الحياة مجدداً .
وباستثناء السودان واليمن، فأن المناطق الأخرى في العالم العربي نفسه تبدو أفضل حالا. فإذا صح ان العالم العربي كله يعاني أزمة واحدة مشتركة مع الاستبداد ونظام القرابة ،وقد ترجم ذاك النظام الى سياسة ، بقيت تلك المناطق كلها أبعد عن الصراع الفلسطيني –الإسرائيلي ، كما انها اكثر انشداداً الى الغرب ، وإما بفعل القرب الجغرافي وروابط الهجرة والعمالة ، كما هي حال بلدان المغرب ، وإما بفعل الاقتصاد النفطي والرشوة الاجتماعية التي يخلقها ، كما هي حال بلدان الخليج . وثمة إشارات واعدة أخرى في عدادها ان بلدان المغرب حسمت أمر الدولة – الأمة فيها ، وبالتالي حلت مسألة الوحدة الترابية التي تبقى قضية الصحراء الغربية أكثر هامشية من ان تهددها . لا بل الأرجح ان ابقاء هذه القضية حية هدفه تشديد الفصل بين الجزائر والمغرب وتأكيد الفوارق بين الجنسين والدولتين . أما الخليج فيظهر بعض علامات النجاح في بناء تجارب متعددة عن الدولة – المدينة وفي تطويرها . وهي قد لا تكفي لأثارة الاطمئنان في خصوص مستقبل الخليج ، بسبب التحدي الإيراني الجديد كما يسبب نمط الاستهلاك الباذخ وما يستدعيه من هجرة توسع فجوة اللاتوازن السكاني ، فضلا عن ارساء علاقات عمل مع العمال المهاجرين ليست مقبولة ولا صحية . وهذا كله ما ألقته الأزمة المالية التي انفجرت في 2008 أضواء كثيرة عليه وضاعفت المخاوف الناجمة عنه . كذلك جاءت الانتفاضة البحرينية وسحقها على يد السعودية ودول الخليج المجاورة تعلن ان النفط لا يسعه ان يلغي الطوائف ومشكلاتها ، بل المشكلات عموماً . ومع هذا ، ثمة اكثر من سبب يحمل على تأجيل الخوف في ما خص الخليج ، او على ضبط ذاك الخوف وتبريده ، اهمها درجة اتصاله الوثيق بالاقتصاد العالمي والحماية الدولية التي تترتب على ذلك . وهذا ، في الأقل ، ما سبق ان دلت عليه تجربة الحرب لتحرير الكويت في 1991 الذي احتشد لأجله تحالف دولي غير مسبوق .
وأخيراً ، فالبلدان العربية المذكورة في المغرب ومعظم الخليج تضم أكثريات دينية او مذهبية هي أما كاسحة او حاسمة ، وهو ما لا يتوافر في بلدان كالعراق ولبنان .
لهذه الأسباب مجتمعة وما انجر عنها من خواء مجتمعي ومن إعدام للدواخل الوطنية ، قدم الشرق الأوسط العربي ، من دون سائر العالم الإسلامي ، ثاني تجربة في الوراثة الجمهورية ، بعد كوريا الشمالية . كان هذا ما رأيناه في سوريا حين انتقلت رئاسة الجمهورية بعد رحيل حافظ الأسد في 10 حزيران/ يوليو 2000 الى نجله بشار وكانت كل التقديرات توحي ان صدام حسين ، في ما لو بقي في السلطة ، كان سيورثها لأحد نجليه عدي وقصي ، فيما رجح ، في مصر ، ان يتسلم جمال او علاء مبارك الحكم من الوالد الرئيس حسني مبارك قبل ان يسقط حكم الثلاثة وبقية شلتهم . وليس اعتيادياً ان ابرز الانتقادات التي وجهت الى ياسر عرفات وسلطته الفلسطينية دارت حول الفساد والمحسوبية ، وهذا قبل ان يحصل عرفات على دولة ، وفي ظل توازن قوى مع اسرائيل ليس لمصلحته إطلاقاً ، فيما المال الذي كان يبدد لم يأت معظمه من انتاج محلي بل من معونات دولية .
وفي بيئة الأحزاب الإسلامية ، يلاحظ ان الشرق الأوسط العربي لم يعرف تجربة الأحزاب التي تؤكد على «العدالة» او «التنمية» او كليهما . ف» العدالة والتنمية» هو الاسم الذي حمله إسلاميو تركيا بقيادة رجب طيب أردوغان ، وقد أتخذ الإسلاميون الإندونيسيون التسمية نفسها ، كما فعل اسلاميو المغرب وموريتانيا ، في حين أسس ، في ماليزيا ، أنور ابراهيم حزب «العدالة الشعبية» . وبدورها فأحزاب الشرق الأوسط العربي الاسلامية كانت وجهتها الأقوى انفصال جماعات متطرفة وعنيفة عن جسم حركات الإخوان المسلمين التي عدّت معتدلة ومهادنة للأنظمة القائمة . وفيما يلاحظ في بعض آيات الله الإيرانيين اهتمام ، ولو ساده الحفظ ، بالشعر والفلسفة الإيرانيين ، الأخلاقي منهما وغير الأخلاقي ، فأن الأخلاقيات المتخلفة هي وحدها ما يحكم نظرة الإسلاميين العرب الضيقة الى ادب مجتمعاتهم وفنها وفلسفتها ، هذا اذا جاز الكلام عن وجود نظرة أصلا.
والشرق الأوسط العربي هذا يملك خصوصيات بارزة كوجود الأقليات الدينية والإثنية الكثيف فيه ، والصراع الفلسطيني- الإسرائيلي ، والموقع الاستراتيجي البالغ الأهمية لأنه جنوب اوروبا وروسيا ، وغرب ايران ، وهمزة وصل أسيا بأفريقيا فضلا عن وجود النفط في العراق . لكنه ايضا البقعة التي قطعت الحداثة فيها شوطاً ابعد مما حصل في المناطق العربية الأخرى . وهذا العامل حين لا يترافق مع تحول ثقافي وفكري ، على ما هي الحال يجعل المعرفة بالغرب اكثر تسبباً بالحسد والتوتر ، كما يجعل القابلية لتحديث العنف وإشاعته أي دمقرطته ، أعلى مما في المناطق الأخرى . ولابد من ملاحظة ان القوميين العلمانيين أنفسهم ، وفي عدادهم كثيرون من أبناء الأقليات المسيحية ، استأنفوا الإيديولوجيا الإسلامية ، من حيث العداء للغرب ، ولو بمصطلحات حديثة وعلمانية أخرى . وقد جاء هذا إما لأن أولئك الأقليين رأوا في مزايدتهم على الأكثرية وسيلتهم الى الاندماج فيها والحصول على قبولها ، أو لأنهم ولا سيما منهم من عرفوا الغرب اكثر من سواهم ، أو أبكر ، أصبحوا أشد استعجالا في طلب المساواة التامة من دون الأكتراث بالشروط المسبقة لذلك .

مقالات ذات صلة