من ألواح سومر كتاب يبرز ملامح حضارة بلاد الرافدين

باسم محمد حبيب

يعد كتاب: (من الواح سومر) لعالم المسماريات الأميركي صوموئيل كريمر من الكتب المهمة التي تناولت حضارة بلاد وادي الرافدين ، إذ تكمن أهمية الكتاب ليس في تناوله لمجمل منجزات هذه الحضارة وحسب بل وفي تبيان اهمية هذه المنجزات في مسار الحضارة الإنسانية ، إذ رأى هذا الباحث الفذ ان كثير من المنجزات الحضارية الحالية نبتت جذورها الأولى في حضارة بلاد الرافدين مبرزًا في كتابه ( أوائل الأشياء أو أصولها ) بحسب وصفه ، فعلم السومريات الذي يتناول المراحل الأولى من حضارة بلاد الرافدين هو علم مهم ليس لأنه يتناول فترة زمنية معينة وحسب بل ولأنه يطلعنا عن أوائل الأشياء وأصولها ، فبإمكانه ان يطلعنا عن أولى مثل الإنسان الأخلاقية المدونة ؟ وأولى آراءه الدينية ؟ وكيف كانت أفكاره السياسية والأجتماعية وتأملاته الفلسقية ؟ ووكيف تصاغ العقود الافتصادية ؟ كما يقدم لنا هذا العلم كما يرى كريمر أولى التخفيضات الضريبية وأولى القوانين التي نظمت حياة الإنسان وأولى المدارس وكيف كانت تؤدي دورها العلمي والتربوي ، واول نظام برلماني عرفه العالم إلى آخره من الأشياء التي كشفها علم السومريات .أما أهم الأصول الحضارية التي تناولها الكتاب بوصفها منجزات جرى تدشينها في حضارة بلاد الرافدين فقد شملت نواحي مختلفة أهمها : التربية والتعليم وأولى المذكرات التي تحدثت عن أيام الدراسة وأولى الصراعات الدولية وأولى اشكال انظمة الحكم وأول حرب اهلية في التاريخ وأول برنامج أصلاحي شهدته البشرية وأول لفظة حرية عرفتها الحضارة الإنسانية وأولى نظم العدالة والتشريعات القانونية وأولى التعاليم الزراعية وأولى المفاهيم الفلسفية وأولى القضايا الأخلاقية وأولى الحكم والأمثال والأساطير والتراتيل والأغاني وأولى المناظرات الكلامية وأولى قصص الطوفان وأولى المواضيع الدينية وأولى الملاحم وأول نظرة لوحدة بني البشر ، مبيناً ان هذه المنجزات هي نتاج خالص لبيئة حضارة بلاد الرافدين التي لولاها لما تمكن الإنسان من النهوض بواقعه والوصول إلى مديات متطورة في الرقي الحضاري .
لقد تناول الكتاب الكثير من الأساطير والملاحم التي كان لها دور كبير في تطوير نظرة الإنسان إلى العالم من اهمها قصة الطوفان التي عدت عدتها الأديان السماوية حدثاً مفصلياً في تاريخ العالم فكانت سفينة ( زيو سدرا ) أو ( اتراحاسيس ) أو ( اوتو نابشتم ) هي مركب الإنقاذ للجنس البشري وبقية الكائنات التي كاد الطوفان ان يقضي عليها ، كما عرض الكتاب ملخصاً لملحمة جلجامش التي تناولت سعي الإنسان للخلود وكيف توصل جلجامـــش إلى ان ذلــك مستحيل وان خلــوده يمكــن ان يتـم من خلال ما يقدمه من منجزات لأبناء شعبه ، فهذه النظرة المستمدة من ملحمة جلجامش تمثل افضل خلاصة لفكر بلاد الرافدين الذي ينظر للأمور من منظار مادي واقعي ولا يحاول ان يسبغها عليها أي نظرة مثالية غير متناسبة مع ما يراه في واقعه . ان اهم ما عرضه الكتاب هو بيانه الدور الكبير الذي اداه السومريون في مجال العلوم والآداب والمعارف والنظم السياسية والقانونية التي لم يكن للبشر عهد بها قبل ان يهتدي لها السومريون فكانت منجزاتهم الحضارية البداية الأولى للحضارة التي شعت بعد ذلك إلى شتى أرجاء العـالم إذ لم تكن الحضارات بحسب كــريمر إلا فروعًا من حضارة أصيلة بزغ إشعاعها من ارض بلاد الرافدين فحق لهذه الحضارة ان تتبوأ مكانها السامي بين الحضارات البشرية الأولى .
لقد اتسم الكتاب الذي قام بترجمته العلامة المرحوم طه باقر وقدمه المؤرخ المصري الدكتور احمد فخري بالعلمية العالية والدقة في الوصف كونها مؤلف من متخصص في مجال هذه الحضارة ، لذا لم يحوي أي مبالغات أو يسرد مضامين خيالية ، إذ ان كل ما تضمنه الكتاب مأخوذ من البحوث التي قام بها علماء السومريات ومن بينهم الكاتب وهي بحوث أصيلة وموثقة علمياً ، وإنطلاقاً من ذلك فإن اهمية هذا الكتاب لا تكمن فقط في كونه يقدم لنا صورة ملخصة عن حضارة بلاد الرافدين بل وفي ما يعرضه من معلومات عن منجزات اجدادنا التي لولاها لما امكن للبشرية تسير في طريق التطور والتقدم ولما امكن لنا ان نفخر بحضارتنا الأصيلة والعظيمة ، انه كتاب يستحق القراءة.

مقالات ذات صلة