الرواية البوليفونية في (تعدد الرواة» دراسات سردية في الرواية

د. ثائر العذاري

بعد سنين من الاهتمام بالرواية تكشف عنه مقالات كثيرة نشرها في الصحف والمجلات، نشر محمد رشيد السعيدي كتابه الأول (تعدد الرواة – دراسات سردية في الرواية) في مؤسسة دار الصادق الثقافية في مدينة الحلة العراقية أواخر العام المنقضي 2016 في (207) صفحة من القطع الكبير.
وقد اختار السعيدي واحدة من أصعب مناطق جغرافية السرد وأعقدها، فهي حقل شائك لما يعتريه من فوضى المصطلحات وتعددها وتداخلها بما يجعل الدخول فيها مغامرة تشبه الدخول في حقل ألغام والاهتداء بخريطة غير موثوق بها.
اختار الدارس أن ينهج في كتابه منهجاً صارماً يقترب من الدرس الأكاديمي، إذ جاء الكتاب في مقدمة وتمهيد نظري (يبدو أن هناك خطأ طباعي في الكتاب، فقد وضعت كلمة تمهيد عنواناً للمقدمة ووضعت كلمة مقدمة عنواناً للتمهيد) حدد فيهما السعيدي المفاهيم النظرية الإجرائية التي سيلتزم بها في تطبيقاته، أتبعهما بثلاثة أقسام درس فيها ثماني عشرة رواية هي:
خمسة أصوات لغائب طعمه فرمان، والأنهار لعبد الرحمن مجيد الربيعي،والمبعدون لهشام توفيق الركابي، والرجع البعيد لفؤاد التكرلي، والحرب في حي الطرب لنجم والي، وفي انتظار فرج الله القهار لسعدي المالح، والشماعية لعبد الستار ناصر، وعين الدود لنصيف فلك، وعشاق أرابخا لعواد علي، ونزوله وخيط الشيطان لسمير نقاش، ويا مريم لسنان أنطون، وشباك أمينة لأسعد اللامي، والرجل الذي فقد ظله لفتحي غانم، والسفينة لجبرا إبراهيم جبرا، وامرأة ما لهالة البدري، والصخب والعنف لوليم فوكنر، واسمي أحمر لأورهان باموك، وبريد بغداد لكريم گطافة. وتلي هذه الدراسات خاتمة سنقف عندها لاحقاً.
ومن الصفحة الأولى في الكتاب يتضح أن الدارس معني بالمصطلح وتجلياته بتقنيات وأشكال متنوعة، وهو غير معني برصد تطور تقنية تعدد الأصوات تاريخياً، وهذا يفسر ترتيب الروايات الذي أثبتناها هنا كما ورد في الكتاب، فهي مرتبة بحسب ما رأى السعيدي من أهمية الشكل الفني لا بحسب تاريخ نشرها.
يحاول السعيدي في تمهيده النظري، بعد أن يعرض اختلافات الدارسين في مفهوم الرواية متعددة الأصوات، أن يضع قيودًا إجرائية يلزم نفسه بها. فهو يعترض، أولا، على المصطلحين الشائعين – وهما قاران بحسب ما نرى؛ تعدد الأصوات المتداول عربياً والبوليفونية الذي استعاره بأختين من الموسيقى الكلاسيكية الغربية.
يرى محمد رشيد السعيدي أن مصطلح تعدد الأصوات فضفاض إلى الدرجة التي تجعل دراسة الظاهرة التي يشير إليها أشبه بالمستحيلة، فهو يعني «التبئير مرة، واللغة ثانية، والراوي مرة ثالثة، ويتمدد أحياناً ليشمل الشخصيات (ص9)». ويرى أن باختين مخترع المصطلح نفسه ليس بعيدًا عن هذا الارتباك في المصطلح فقد «وضع عدداً من الميزات للرواية متعددة الأصوات، منها: التعددية في أنماط الوعي، والتعددية في الطروحات الفكرية، والتعددية في المواقف الإيديولوجية، وتلك كلها تعبير عن شيء واحد هو الفكر، والتعددية في الشخصيات المتعلق ببناء الرواية، وتعدد اللغات والأساليب… (ص9).
يعترض الدارس على مصطلح (الصوت) لما يشيع من خلط في دلالته بين الراوي ووجهة النظر (ص11)، ويعترض على مصطلح (البوليفونية) بسبب دلالته الموسيقية على مجموعة ألحان وأصوات تعزف في وقت واحد، بينما يراد إطلاقه، في النقد، على أصوات متناوبة للرواة في الرواية، ويرى أن ذلك تعارض وتناقض في الدلالة (ص12). ثم يخلص إلى إن الرواية متعددة الأصوات هي تلك التي يتعدد فيها الرواة لا وجهات النظر ولا اللغة ولذلك يفضل استعمال مصطلح يقترحه هو تعدد الرواة (ص19 – 20)،
وقد نختلف مع السعيدي هنا في أمرين:
أما الأول فهو إن تعدد الرواة يستلزم بالضرورة تعدد وجهات النظر وتعدد الأساليب اللغوية (نفضل استعمال مصطلح زاوية النظر بدل وجهة النظر لدلالة الأول على الرؤية البصرية ودلالة الثاني على الموقف الفكري)، فلكل راو بحسب موقعه وجهة نظر فريدة وأسلوب لغوي شخصي.
أما الثاني فهو إن تعدد الأصوات قد يصدر عن راو واحد حين يتعرض لتجربة تؤدي إلى تغير شخصيته، الأمر الذي يدفعه لإعادة روي الأحداث نفسها بتفسيرات مختلفة. ولعل من المفيد أن نذكر هنا رواية الروائي المصري محمود قنديل (النفق) حيث يروي بطل الرواية (سالم) الأحداث نفسها برؤيتين مختلفتين؛ مرة وهو حي ومرة بعد موته. ولذلك نرى أن الرواية متعددة الأصوات هي الرواية التي تتعدد فيها زوايا النظر.
ولا نرى أن اقتراح مصطلحات بديلة يسهم في حل مشكلة ارتباك المصطلح النقدي، بل سيزيدها تعقيداً، والأفضل بحسب ما نرى السعي إلى تحديد دلالات المصطلحات القارة بغض النظر طبعاً عن دلالاتها اللغوية أو استعمالاتها في الحقل المعرفي الذي استعيرت منه.
يضع السعيدي بعد ذلك شرطين لا يمكن عد الرواية متعددة الأصوات إلا بتوافرهما فيها هما؛ تعدد موقع الراوي وشكله، وتكرار المسرود من قبل أكثر من راو (ص21 -25).
وقد اختار الدارس لكتابه شكلا مفتوحاً، فقد جاءت دراساته للروايات على وفق نسق منهجي واحد، يبدأ بمقدمة وصفية للرواية ثم البحث عن الشرطين الآنفين الذكر تحت العنوانين (موقع الراوي وشكله) و(تكرار المسرود) والانتهاء بخلاصة حول الأهمية الفنية للرواية، وهكذا يمكنه إضافة ما شاء من روايات أخرى ودراستها بالقالب نفسه. ومع ذلك لم يستسلم السعيدي لصرامة النسق المنهجي، فدراسته لكل واحدة من الروايات تكشف عن قراءة نقدية متفردة تكشف عن سمات الرواية من غير محاولة فرض المعيار المحدد سلفاً قسرًا عليها، ففي دراسته لرواية (نزوله وخيط الشيطان) مثلا يقرر خلو الرواية من شرط تكرار المسرود (ص 114 – 116)، ويدرس بدلا من ذلك ما سماه طرائق الحكي وهو أمر يتعلق باللغة، ومثل هذا يتكرر مع روايات أخرى.
وفي خاتمة الكتاب يقر السعيدي أن الروايات التي درسها لا تتمتع كلها بالخضوع للمعايير التي حددها في المهاد النظري، ويرى أن تلك مشكلة تتعلق بالتأليف ومرونة الشكل الروائي (ص 203).
كتاب (تعدد الرواة) يفتح بطون الروايات بمبضع أستاذ التشريح لا مبضع الجراح الذي يجري عملية جراحية، فهو يضعنا في مواجهة أسئلة ربما لم نكن نفكر فيها قبل قراءته أكثر من تقديم أجوبة لأسئلة كانت تشغلنا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة