وعي الحداثة قراءة في جماليات الشعرية

خضير الزيدي

يركز الباحث سعد الدين كليب في كتابه الصادر مؤخراً عن دار الينابيع والموسوم ب(وعي الحداثة )وهو عبارة عن عدة دراسات نقدية تناول فيها الناقد مباحث الشعرية العربية متطرقاً فيها إلى العديد من الخيارات التي ضمت في طياتها قراءات عن الوعي الجمالي والشكل الإيقاعي والبناء الدرامي والحداثة الشعرية إضافة إلى البنى الصورية ومستويات الرمز في الشعر وغيرها من المواضيع التي نجد فيها متعة قرائية تعيد إلى أذهاننا تنوع الأفكار التي تخص التجديد والعرض النقدي وخاصة الأكاديمي المحافظ على سياقه الفكري .. يستهل كتابه في مقدمة تمهيدية يرى فيها ما تمت معالجته بخصوص الحداثة الشعرية وإسهام النقد الفعال في تحديد وبلورة مفهوم الحداثة ويعتقد أن مقاربته النقدية في هذا الكتاب تقوم على مقولة محورية مفادا أن الفن عامة هو نتاج الوعي الجمالي وبالنتيجة يأخذ الوعي النقدي محوره في ذات السياق الجمالي كون الفن وحسب رؤية سعد الدين كليب هو الأكثر قدرة على تباين الوعي وتجسيده وتمثيله ومن هذه الفكرة تتم الانطلاقة التي يتبناها الناقد حيال النقد من منظور جمالي حينما يشير إلى الحداثة الشعرية كونها حداثة في الوعي الجمالي في الفصل الأول من الكتاب والمسمى هنا بالحداثة الشعرية في النقد الأدبي المعاصر يقف عند عدة أبواب منها ما يخص النقد ونشأة الحداثة ويذهب فيه إلى التفسير التأثري والتفسير الاجتماعي والتفسير النفسي ثم يدخل إلى مبحث الأنساق النقدية ليوضح للقارئ مباحث تحتمل تنوعاً في الإشارات منها ما تعلق في النسق الموسيقي والخاص بنمطية العروض والانفعال الشعري وهندسة الشكل الشعري وقيود الجرس والأذن الموسيقية وينمي الناقد من قدرة التواصل حينما يذهب بالمتلقي إلى النسق الأسطوري في الشعر وتداخل هذا الفهم مع بنية النصوص وتركيبها البنيوي ويضرب لنا مثلا السياب وادونيس والخال وحاوي وما تنهض به نصوصهم من توظيف فكري وأسطوري يبعث على التجديد وتقديم نتاج يبنى على أساس توظيف القديم ولم يكتف الناقد بهذين النمطين فهناك النمط الصوري الخاص بالصورة الفنية عادًا أن أساس الصورة إنما يكمن في الخلق لا في المحاكاة إضافة إلى أنها أضحت في الشعر المعاصر وسيلة الخلق والكشف ومن قراءاته الخاصة ينبهنا المؤلف إلى نسق جديد وهو الرؤيوي وهو يعيد لنا تمثلات الرؤية الحداثوية من خلال التوكيد على المستويات الفنية والشكلية معاً .. الانتقالة الثانية للكاتب تتوقف عند عنونة الفصل الثاني من هذا الكتاب تحت عنوان (الوعي الجمالي في الحداثة الشعرية )ويرى في الأخير بأنه يشكل الأساس الذي انطلقت منه الحداثة الشعرية العربية وهناك عدة طروحات تبنت هذه الرؤية سواء كانت على المستوى الفني أو الظاهرة الشكلية ويؤكد الناقد مسألة مهمة يعدها ضرورية حينما يشير لغياب النقد التحليلي ثم يتطرق إلى طبيعة الذوق الجمالي واختلافه بين المتلقي ويذهب إلى طروحات غولدمان تجاه الفن وتصوره وتحديد طبيعة الوعي ويأخذ الناقد الى التعريف الذي يتبناه حيال الوعي الجمالي حينما يؤكده على انه الوعي الذي يتناول الظواهر والأشياء من خلال سماتها الحسية وأثرها في الطبيعة النفسية والروحية ويسترسل الباحث هنا في هذا الفصل ليربط ليؤكد أن الشعرية العربية جاءت تلبية لحاجة جمالية ناشئة في المجتمع العربي وتعبيرًا عن وعي جمالي يتبلور عبر نصف قرن …ومن الطروحات التي يدخل إلى صلبها سعد الدين كليب مفهوم التجادلية التي يرها هي السمة البارزة من بين سمات عديدة لتحفيز الوعي الجمالي حيال الحداثة ليؤكد لنا عبر قراءته النقدية بأنها تهيمن على مستويات النص الشعري الحداثي ولا يكاد يخلو منها ومن آثارها ثم يلفت أنظار القارئ إلى الشكل الإيقاعي فهذا الأخير مفتوح على عدة احتمالات يجزم الناقد أن أية نظرة جمالية لن تتجاوز مفهوم الإيقاع ويعده من مكونات استيعاب النص وانطلاقته التعبيرية وينتقل إلى البنية الصورية في هذا الفصل وما شكلته من انقلاب جذري في الشعر لأنها تنهض مع عدة مقومات داخل بنية النص الواحدة مشكلة بالنتيجة طريقة بنائية من شأنها أن تتداخل لتكون المعنى وفقا للإنتاج الأمثل الذي ينشد له الشاعر ويستشهد بنصوص عديدة من أهمها نصوص السياب في هذا المضمار .. في الفصل الثالث يبحث الناقد (كليب ) عن جماليات الرمز الفني في شعر الحداثة معرجاً على المدرسة الرمزية ومستشهدا باوسكار وايلد بعد أن يعرف الرمز الفني بأنه صورة الشيء محولا إلى شيء آخر ويفرق بينه وبين الإشارة ومستوياتها فيجد في الرمز السمة الانفعالية التي تعني بأنه حامل لوظيفة انفعالية وحسية ويفرق بينه وبين الرمز الديني والأسطوري مثلما يجد في الرمز السمة التخيلية لأنه نتاج مجاز وليس حقيقة ويذهب بأطروحات (ادورنو) مثلا .وعند الفصل الرابع يناقش المؤلف جمالية النموذج الفني في شعر الحداثة عادًا إن هذا الأخير قد أسهم وبنحو واضح وكبير في توكيد سمة الدرامية في الوعي الجمالي الحداثي مثلما أسهم في توسيع دائرة المساحة الاجتماعية التي اخذ على عاتقه الدخول إلى مكوناتها وميولها الموضوعية ولم تتوقف الدراسة النقدية المقدمة لنا في كتاب سعد الدين كليب والموسومة بوعي الحداثة دراسة جمالية في الحداثة الشعرية عند حدود ما قدمناه من قراءة بل هناك الفصل الذي يناقش الخطاب الشعري والأيد لوجي وحمولاته في تغطيه متن النص وبث أشارته الفكرية فهو يرى أن في النص خطاباً ايدلوجياً من شأنه أن يسهم بفاعلية وتكوين ينطوي على درجة عالية من التأثير مثلما تحتمله التقنية في بلورة عمل حقيقي ومن هنا يرى الناقد إن النظر إلى الشعرية العربية المعاصرة تمت عبر متباينات تتعلق بالجوهري منها وبالمسطح وما أنجزه النقاد سابقاً أو في هذه المرحلة يبقى رهين القراءة والكشف الذي يعطينا مزيداً من المعرفة والمراجعة لمنجز شعري ظل وفياً لمكوناته وأهدافه الكتاب صدر مؤخرًا عن دار الينابيع وهو منجز يستحق الوقوف عليه لاعتبارات كثيرة كان منها ذلك الكشف والتحليل المعرفي الذي يوصل بالقارئ إلى مناطق مجهولة تبين له مدى معرفة ما قدمته الشعرية العربية من امتدادات في الشكل والمضمون معاً.

مقالات ذات صلة