الإنتلجنسيا العراقية وإنتلجنسيا علي بدر

سلام مكي*

روايات علي بدر، شكلت نهرًا يجري من تحت النقاد والكتّاب، يغترفون منه ثيمات وقيماً جمالية وأنساق مضمرة، تمثّلت على شكل مقالات ودراسات توزعت في الصحف والمجلات العراقية والعربية والعالمية. ومؤخراً صدر كتاب عبارة عن رسالة ماجستير للكاتب: محمد فاضل المشلب، تناول فيها المنجز الروائي لعلي بدر، عنوانه: الإنتلجنسيا العراقية في عالم علي بدر الروائي.. دراسة في الرؤى والتمثلات، بعد أن توصل المشلب إلى قناعة بأنه منجز يقف في طليعة المنجز السردي العراقي والعربي المعاصر، كونه يشكل ظاهرة غير مألوفة في السرد العراقي من حيث غزارة الإنتاج وأهمية الموضوعات والمضامين التي يطرحها في رواياته. الكاتب بيّن في مقدمة الكتاب أنه اعتمد المنهج التحليلي لدراسة وتقصي الظواهر وتعليلها. الكتاب، من خلال عنوانه، تناول أبرز ثيمة في روايات علي بدر وهي صورة المثقف، وعلاقاته وانشغالاته والقضايا التي تشغله. يبدأ الكاتب بخطة تمثلت بعرض وافٍ لأهم التنظيرات التي تناولت تعريف المثقف وإرجاعه إلى التشكّلات التاريخية التي نشأ من خلالها. فبدأ بأهم حدث انطلق منه المثقف، وتأصل مفهومه ودوره في المجتمع والسياسة، وهي قضية الضابط الفرنسي اليهودي دريفوس، الذي أتهم بالتجسس لصالح ألمانيا عدوة فرنسا آنذاك، وعلى إثر هذا الاتهام، احتج مثقفون ونتج عن احتجاجهم، نشر بيان ونشر في مجلة الفجر سميّ( بيان المثقفين) الذي خُلد بوصفه أول ظهور وتدخل علني للمثقف في شؤون السياسة والمجتمع. ثم يتناول أهم التنظيرات الغربية الخاصة بالمثقف وهي كتابات أنطونيو غرامشي، الذي لا يتجاوز تنظيراته أي دارس للمثقف، إضافة إلى أنه أسس لمفهوم المثقف الذي انطلقت منه الدراسات التي كتبت بعده. فمن تقسيمه المهم للمثقف إلى: مثقف عضوي ومثقف تقليدي، خرجت عشرات الدراسات والكتب، التي تحلل وتفكك هذين المفهومين. المشلب اكتفى بغرامشي، كإيقونة غربية بارزة في هذا النمط من الدراسات، برغم وجود مثقفين وكتّاب، أصّلوا لمفهوم المثقف، كسارتر، الوجودي وما نتج عن الوجودية من مفهوم المثقف الملتزم وغيره. وهو أمر حسن، أراد المشلب من خلالها التأكيد على ان موضوعه ليس عرض التنظيرات الخاصة بالمثقف، وإنما إعطاء صورة للقارئ عن ماهية المثقف، قبل ان يشرع بتحليل صورة المثقف عند علي بدر. أما في الفكر العربي، فحاول المشلب، جعل إدوارد سعيد، مقابلا لغرامشي في الفكر الغربي، كون أن كتابات سعيد، حول المثقف، كانت أصيلة بمعنى لم تكن على هامش مواضيع أُخر، كما جاء في تعريف عبد الله إبراهيم وهادي العلوي، التي جاءت ضمن حوارات صحفية. برغم إن اغلب كتابات إدوارد سعيد، لم تكن بالعربية ولم يأت بمفهوم عربي متفرد عن المثقف. الجانب الأهم من الكتاب، هو عرض صورة المثقف في الرواية العراقية منذ الطور الأول للتأسيس، إذ بذل الباحث جهداً مهماً، في تتبع الكتابات التي تناولت صورة المثقف في الروايات التي أنتجها الرعيل الأول من الرواية العراقية. منها رسالة الماجستير: شخصية المثقف في الرواية العراقية1928-1980 للباحثة فاتن إسماعيل الراوي. فنقل عن الرسالة، صورة المثقف في رواية( جلال خالد) لمحمود أحمد السيد ونقل عنها: يمكن تلمس الإشارات الأول لشخصية المثقف في عمل محمود احمد السيد( جلال خالد) فبطل الرواية يأخذ بتثقيف نفسه ثقافة تراثية تعنى بماضي العرب وتراثهم. كما نقل عن روايتي ذو النون أيوب( الدكتور إبراهيم) و( اليد والأرض والماء). ولما انتهى من الفترة التأسيسية للرواية، تلمس صورة المثقف في رواية ( الوجه الآخر) لفؤاد التكرلي. لكنه لم يبيّن للقارئ الدور الذي قام به( محمد جعفر) عدا( شعوره بالمأساة إزاء الأوضاع المحيطة به) إضافة إلى كونه( صورة قلقة للرجل العقلاني الرافض. ربما الرفض والعزلة، لا يمثل وظيفة للمثقف، لكنه موقف. والإنسان لا يكون مثقفاً إلا إذا كان ذا موقف من قضايا مجتمعه. ولكن للأسف، كان ذلك الموقف هو العزلة، والسجن في الذات وكما ينقل المشلب عن الناقد شجاع العاني: عجز الإنسان أمام القوى الرجعية. إنها صورة سلبية للمثقف، حاول الراوي من خلالها الكشف عن طبيعة دور وعلاقة المثقف بمجتمعه في تلك الفترة. وصّور التكرلي المثقف، كائناً منعزلا، عاجزًا عن المشاركة الفعلية بأي حدث داخل المجتمع( وهو كائن أفرغه امتلاؤه الثقافي من أبعاده الاجتماعية والإنسانية. كما تناول المشلب روايات جبرا إبراهيم جبرا وغائب طعمه فرمان. وبعد العرض توصل المشلب إلى أن الإنتلجنسيا بنحو أولى ظهرت بصورة متفاعلة وشرائح المجتمع، فقد حاولت تحسين ظروف المجتمع برغم وسمه بمجتمع قروسطي، وإيجاد حلول لمشكلاته العديدة وتوعية أفراد مجتمعه بالمستوى الذي ينتج مدينة جديدة غير مثخنة بالتخلف. هذا الرأي طبعاً، نستثني منه رواية التكرلي ( الوجه الآخر) كون أنها لم تصور المثقف إلا منعزلا، مسجوناً بذاته، مواجهاً الواقع بالرفض. ولم يفت المشلب، التطرق بنحو وافٍ لعلاقة المثقف بالسلطة الدينية، عبر رواية علي بدر، الجريمة، الفن، وقاموس بغداد. الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عام2010. وعلاقة الإنتلجنسيا بالسلطة الثيوقراطية عبر رواية: الوليمة العارية لعلي بدر. إضافة إلى روايات أُخر تلمس فيها المشلب، صورة العلاقة بين المثقف والسلطة الدينية. أما العلاقة بين المثقف والمرأة، فهي قضية إشكالية، تم تناولها بشيء من الحذر خصوصا فيما يتعلق بما رسمه علي بدر للمرأة في رواياته، عبر فكرة الصفقة والمصلحة المتبادلة، في رواية بابا سارتر. الصورة الأولى تلمسها في اللقاء الذي حصل بين المثقف ونونو بهار لإتمام صفقة كتابة سيرة حياة فيلسوف الصدرية( عبد الرحمن) الذي كان يقطن محلة الصدرية في بغداد. وعبد الرحمن، هو شخصية ابتدعها بدر لتجسد صورة المثقف العراقي في فترة الستينيات. صورة نونو بهار، كما وصفها الراوي: خليعة، معتمدة على فساد الأخلاق، لا تحكمها العادات والتقاليد، سلوكها فاضح، تستعين بإشارات إباحية. عبد الرحمن شوكت كان يرى الآخر/ المرأة لا شيء إلا بوصفها جسدا، يشبع الرغبات. ويرى المشلب أن صورة المرأة في ذهن مثقف علي بدر بنيت بنحو مثير وخارق، وأن جوع المثقف للمرأة بوصفها متعة جمالية، وهذا متأتٍ من عدم قدرته على الوصول إليها في الواقع، مما جعلها تبدو الأنثى المستحيلة. ثم ينتقل المشلب إلى رواية أخرى وهي: (الطريق إلى تل مطران) من دون أن ينبه القارئ بعد أن انتقل من بابا سارتر إلى صخب ونساء وكاتب مغمور. ومن الأمور المهمة التي خرج منها المشلب في دراسته هو تقسيمه للمرأة حسب وجهة نظر مثقف علي بدر، مثلما قسّم المثقف نفسه فيما بعد. فيرى أن أنماط المرأة تمثلت بـ: المرأة المحايثة، الموجودة في مخلية المثقف فقط بعد أن أضفى عليها قناعته الفكرية. و محايثة ثقافية مزيفة والمحايثة والتجاذب.و المرأة الايجابية والسلبية والرغبوية والمقيدة والمتحررة والمتخيلة. المشلب توصل إلى أن: صورة المرأة في روايات علي بدر، لم تكن سوداوية، ولا مقتصرة على لون واحد وهو: العري والخلاعة.

أنماط المثقف
توصل المشلب إلى اكتشاف أنماط لمثقف علي بدر، وذلك من خلال التوغل في النصوص، واستخراج ما يمكنه استخراجه منها من ثيمات. الفصل الثاني من الكتاب، وهو الجزء الذي ظهرت فيه ملامح المشلب واضحة في الكتاب. وأول نمط وجده المشلب هو:
المثقف المسيطر الذي يعرف بأنه: صاحب المقدرة الإبداعية والروح النقدية، والتجربة الإنسانية وهو الذي يملك الوسائل ليفرض على المسيطر عليه أن يدركه بالطريقة التي يكون مدركا بها. أول تمثيل للمثقف المسيطر عند المشلب هو شخصية( شاؤول) وجانب السيطرة فيه تمكن في أنه ثري، يملك أدوات السيطرة سواء المادية عبر ثرائه، او المعنوية عبر ميوله الماركسية. التمثل الآخر هو شخصية العمة في رواية شتاء العائلة، يرى المشلب أنها شخصية مثقفة مسيطرة، على اعتبار أنها سليلة عائلة أرستقراطية نخبوية ذات نفوذ سابق في السلطة، وعزلتها ونمط عيشها المتمثل بالتثقيف الذاتي وعدم الخضوع لتحديثات الزمن المتسارعة، ورفضها دخول ابنة أخيها المدرسة والاكتفاء بقراءة الروايات التي سبق للعمة وان قرأتها. هذا الجانب، لا يجعل من العمة، مثقفة، ربما تكون مسيطرة من ناحية امتلاكها أدوات السيطرة، لكنها لا تملك حساً نقدياً، ولا روحاً مبدعة، بل هي تهدف من خلال السيطرة إلى فرض المزيد من التقليد والتنميط الفكري. لكن المشلب، بيّن في بداية الحديث أن العمة مثقفة مسيطرة، ولو بنحو طفيف.. يمكن عدها نصف مثقفة، كونها تملك شقاً واحداً وهو أدوات السيطرة والهيمنة. لكن بالمقابل، فهي تدعو إلى الرجعية والبقاء في دائرة زمنية ضيقة، وهو ما ينفي عنها صفة المثقف بكل الأحوال. كما تلمس المشلب صورة المثقف المسيطر في الطريق إلى تل مطران، عن طريق شخصية( القس خوشابا) وافرد له مساحة واسعة فهو إضافة إلى انه مثقف يملك نفوذاً دينياً وسلطة على أتباعه، إضافة إلى امتلاكه لأسباب وأدوات المثقف المسيطر. وتلمس أيضاً صورة المثقف المسيطر في روايتي أستاذة الوهم والجريمة، الفن،و قاموس بغداد.
المثقف الاغترابي: ينقل المشلب تعريف المثقف الاغترابي عن فرج ياسين بأنه المثقف الذي يشعر بالضعف والعجز إزاء المواقف المصيرية في حياته والذي يشعر بأن القيم السائدة غير ذات معنى بالنسبة له، وهو الغريب عن جماعته الاجتماعية وتنظيمات الحياة. وهو كما يقول المشلب: يتصف بكونه منفلتا مع الجاذبية المجتمعية، ساعياً نحو تجربته الخاصة، البعيدة عن التماهي مع الآخر. تمثل للمشلب صورة هذا المثقف في شخصية عبد الرحمن، المثقف الذي يشعر بعدم توافقه مع محيطه العائلي والمجتمعي، إضافة إلى شعوره بالنقص والتهميش، بسبب خلفيته المناطقية. كذلك تلمس هذا المثقف في رواية الوليمة العارية وصخب ونساء وكاتب مغمور ومصابيح أورشليم. يقول المشلب: وقد نجد عاملا جديدًا، يبعث عل اغتراب المثقف وهو ما يحدث نتيجة الأماكن العصرية حيث البناء المديني وازدحاماته ودهاليزه وضوضائه التي تولد الأوجاع. كما ينقل: ان العيش الدائمي في المكان نفسه، يغرق هذه الأماكن بحالة شاملة من الاعتيادية يمكن أن تسبب اليأس والسأم وحالة الأسى. المشلب، حاول ان يسحب هذا التنظير حسب تعبيره إلى رواية ملوك الرمال وبطلها( المثقف). هذه الرواية تجري في الصحراء وهي عبارة عن صراع بين إرادات متعددة، إرادة الحكومة التي تريد فرضها على البدو بالقوة، وإرادة الصحراء نفسها، التي تأبى أن يغزوها المد المديني وشعور الجندي بهذا الأمر، وصراع العادات والتقاليد، التي تمثلت بإكرام الجندي من قبل أم وزوجة عدوه، ورغبته في قتل ( جسّاس) ابنها البدوي الذي ذبح الجنود. اغتراب الجندي( المثقف) لم يكن بسبب العيش الدائمي في المكان نفسه، ولا الغرق في النمطية، بل بسبب اقتحامه بنحو قاس للصحراء، واشتراكه في تشويه صورتها الأصلية وانتهاكاً لخصوصيتها. اغترابه، كان بسبب الصدمة التي تلقاها، نتيجة لاطلاعه على نمط عيش البدو، وطريقة تعامله معهم، والمقارنة بين تعاملهم معه وهو الجندي المكلف بقتل اكبر عدد منهم، وبين طريقة تعامل القاعدة العسكرية خاصته فيما لو وقع (جسّاس) في الموقف نفسه الذي وقع فيه الجندي.
المثقف المهزوم: عرف المشلب هذا المثقف بأنه انكسار ما آمن فيه المثقف من فكر وثقافة وايدولوجيا ويحطم فكرة كونه سبباً من أسباب التغيير وتدشين وعي المجتمعات.
جهد المشلب، يعد محاولة مهمة، للدخول إلى عتبة عالم علي بدر الروائي، عبر بوابة الثيمة الأبرز فيه وهي المثقف. وعلاقته مع المكان، بوصفه الهاجس الأول للمثقف والمحرك لتصرفاته وأفعاله. الأنماط التي توصل إليها المشلب، ما كانت لتكون لولا المكان. خصوصاً رواية ملوك الرمال والطريق إلى تل مطران. استطاع المشلب أن يفكك هذه الثيمة ويعيد بطلها إلى تشكلاته الأول، بعيداً عن الانطباعات الشخصية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة