الحضارة الغربية في رؤية مبدعيها

قراءة في كتاب «الذئب الأميركي في قصيدة أمي»
أ.د. بشرى البستاني

بالرغم من الاستعمال الشمولي لمصطلح الحضارة على المستويات كلها في الثقافات العالمية إلا أن التباين في تحديد هذا المصطلح ظل قائما حتى اليوم ، بل ظل اللبس شائعا بينه وبين مصطلحي الثقافة والمدنيَّة بحيث ذهب بعضهم إلى أن المصطلحات الثلاثة مسميات لمفهوم واحد ، ولعل أدنى خطوط التوافق في تعريفه انه مجمل المفاهيم المشتركة وطرائق الاستجابة والموروثات والقيم التي أجمعت عليها أمة ما ، وشكلت منها سمات وأساليب وسلوكيات وخصائص فكرية ومعرفية وروحية وتشريعية تميزها عن غيرها من الأمم ، فالتاريخ شهد حضارات عدة بعدد المجتمعات التي صنعت حركته ، وليس حضارة واحدة ، وهذه الحضارات مجتمعة هي التي مثلت جهد الإنسانية برمتها ، فلم تكن الحضارة المعاصرة حكرا على أمة واحدة كما ادعت الحضارة الغربية ذلك لنفسها حينما حاولت بكل جهدها تأكيد تمركز هذه الحضارة –زورا- على تاريخها ومنجزها وحدها متشبثة بالانبثاق اليوناني غير المبرر ، مُلغية روافدها القادمة من الشرق متمثلة بحضارات وادي الرافدين ووادي النيل والصين والهند وبني فارس، ومغمضة عن أثر الحضارة العربية الإسلامية ،ومدعيةً بصلاحية تجربتها للعالم كله جاعلةً من ذلك التمركز مبررا للهيمنة والاجتياح والطغيان وابتزاز جهود شعوب العالم وثرواتهم وتهديد مستقبل أجيالهم.في حين يؤكد المفكرون المنصفون في الشرق والغرب أن الحضارة الغربية المعاصرة حضارة تاريخية زمنية، فهي ناتجة ظروفها الغربية ووقائع هذه الظروف، وعليه فهي لا تصلح لظروف أخرى ولا يمكنها الاستجابة لحاجات شعوب العالم كما ادعت.
قصيدة أولفيي بلانكار التي قامت بترجمتها الدكتورة منال البستاني من الفرنسية إلى العربية في كتاب «الذئب الاميركي في «قصيدة أمي» الصادر عن دار فضاءات في عمان ، 2016 ،تحقق عوامل الترجمة الموفقة وهي الاختيار الجيد للموضوع ومن ثم إتقان اللغتين المترجم منها والمترجم إليها،ثم الإحاطة بموضوع الترجمة والإلمام بما حول النص من سياقات ثقافية وحضارية معا . وإذا كانت منال بنت الحدث التي شهدت بأم عينيها جرائم اميركا في وطنها ، شهدت عتوَّ قواتها ودباباتها واجتياح زبانيتها لجامعتها ولبيتها ولبيوت أهلها وشعبها في أعماق الليالي ، ورأت الفساد والطغيان والأذى الذي أشاعوه في وطنها ثماني سنوات عجاف ، فإنها لجديرة بترجمة هذه الملحمة / الشهادة التي كتبها شاهد من أهلها ، من البيت الغربي الذي صارت اميركا وصمة عار العصر لدى كل النبلاء فيه.
مضامين قصيدة بلانكار لم تدع صغيرة ولا كبيرة من سيئات الحضارة الغربية واميركا ولا خطاياها ولا تناقضاتها وطغيانها ولا أذاها للشعوب إلا وتعرضت له بأساليب تضافرت فيها الرمزية مع السريالية مع التهكمية والهذيان الزهايمري، مع الواقعية التي نمذجت إشاراتِها اختياراتُ الشاعر الموفقة ، وإذا كانت بعض التشكيلات تحمل شيئاً من بذاءة لفظية وإشارات طبيعية وجنسية صريحة لم يعتدها الأدب العربي الذي يتسم بتهذيب عالٍ ، فإن الشاعر جابه حضارة ما بعد الحداثة بأساليبها هي لكن مقاوِماً ومنتقداً .
وإذا كانت السخرية واحدة من سمات أدب ما بعد الحداثة فإن قصيدة « أمي « قد غلفت السخرية بألم لاذع ، وأخفت الألم والجروح الإنسانية النازفة بثوب من التهكمية اللاذعة . وإذا كانت المناهج التقليدية السياقية قد دارت في نقدها حول مقاصد المؤلف وسياقات النص ، وكانت اهتمامات البنيوية منصبة على النص وبنيته ومستويات تشكيله وشبكة علاقاته؛ فإن ما بعد الحداثة منحت القراءةَ سلطةَ التأويل كلها من دون اشتراطات ، وإن كانت نظريات القراءة التي تصدَّر طروحاتها تلميذا جادامير آيزر وياوس لم تقطع العلاقة ما بين القراءة والنص مهتمة بالإشارات الصادرة عنه وبأفق تلقي القارئ الجاد ، فإن منال حاولت الإفادة من أفق تلقيها الذي استقى مرجعياته ومعرفته من الثقافتين العربية والفرنسية مع ربط دائم بإشارات النص ،من دون الابتعاد عنها..
ان كل ما انتقده الفلاسفة في نصّ ومجتمع ما بعد الحداثة من شك وانحلال وتفكيك الأسر وضياع الإنسان وقلقه وانفصاله وعُصابه وشتاته وشقائه وتصدع يقينه ، كل ذلك وجدناه في هذه القصيدة الناقدة ، فلا وجود للحقيقة إلا لدى مَنْ يُشكلها حسب رؤيته وثقافته ، الحقيقة سرٌّ نبحث عن مفاتيحه ، لكن السرَّ يضيع حالما نعثر على المفتاح لتضيع الحقيقة مرةً أخرى، ويبدأ البحث عن جوابٍ آخر لسؤال جديد. من هنا كانت النسبية في الأخلاق وفي القيم من أخطر سلبيات الحضارة الغربية المعاصرة؛ إذ ضاع الحق وصار الظالم مظلوماً ، ووقع القتل والتنكيل على صاحب الحق والأرض والمالك الحقيقي للثروات كما حدث ويحدث في فلسطين والعراق وأقطار أخرى كثيرة من العالم . يقول جوليوس روبرت مخترع القنبلة الهيدروجينية لقد حقق الجنس البشري تقدماً كبيرًا في العقود الأخيرة من القرن الماضي ، وبلغت اميركا مستوى هائلا من الرفاهية والغنى الفاحش ، لكن ملايين الجرائم تحدث فيها سنويا من قتل وسرقات واغتصاب واعتداء على المرأة بضربها ، وإدمان على المخدرات وعنف وخمور وانحراف وجنوح مراهقين وعُصاب وفراغ روحي مُريع وضياع بالرغم من الضمان الاجتماعي وتوفير التعليم:
أمي قمرٌ ميت / أمي شاحبة
أمي مستودع صحراوي
أمي خرابٌ ضيق
أمي خاوية / أمي لا شيء
أمي لا تعدّ في حساب الأشياء
أمي تمنت لو أنَّ هناك / من يحبها
أمي شكلياً مخلصة
أمي امرأة مهجورة
أمي تستحق ذلك / أمي عاهرة
أمي عاهرةٌ عقلياً
مما يؤكد أن هذه الحضارة عرجاء تفتقد التوازن ، فهي أمٌّ لكنها بالنقيض من طبيعة الأمومة ، لأنها بدلاً من الاتسام بالتضحية والحب والإيثار والاحتواء ؛ فإنها راكضة وراء ذاتها بالاحتكارات وتغذية الشركات العملاقة بالطمع والجشع وسرقة الشعوب . وضياع توازنها يكمن في ارتكازها على المادة حسب ، منهمكة بالأرض معرِضةً عن فعل القيمة وعدلها ، مهملة النور الطالع من الجوانب الروحية للإنسان ، ذلك النور الذي لا سلام ولا أمن ولا توازن من دونه ، بل أزمة واختناقات حوَّلت الإنسان إلى آلة تفتقد المشاعر والدفء والعواطف الحميمة والتواصل الأليف في حياة رمادية خالية من الدهشة والإثارة والفرح النبيل مما دفع بعضهم أن يطلق عليها « حضارة الفراغ» ، حضارة تمتلك ما لا يُحدُّ من الرفاه التقني لكنها تفتقد أيَّ متعة روحية تُشعر الإنسان بسعادة الحضور والتحقق والتواصل مع العوامل الايجابية في الحياة، مما دفع مؤرخا ومفكرا يُعدُّ من أكبر المؤرخين في القرن الماضي هو أرنولد جوزيف توينبي إلى التصريح بألم « إنني أكره الحضارة الغربية المعاصرة ، كراهية بعيدة عن التهويل ، فخلال حياتي عاصرتُ حربين عالميتين ، وكلما نظرت إلى هذا الإرهاب الغربي وجدته شيئاً مروعاً» ، ويؤكد بلانكير:
أمي مسمومة / أمي مليئة بالسم
أمي هي السم / أمي مِحْرقة
لقد كان عصر الاختراعات المتوالية في الغرب مصدر فتنة العلماء ودهشة المفكرين عامة وإكبار المثقفين في أرجاء العالم ، من دون الوقوف المتأني أمام ما صحب هذا العصر من سلبيات لامست حياة الإنسان في الصميم ، حتى جاءت طروحات فردريك نيتشه في أكثر من كتاب ، إذ رأى هذا الفيلسوف أن العلوم التي جاءت بها الحضارة الغربية قد سلبت الإنسان أفراحه ودفء مشاعره ، وفقدَ بوجودها وسائل الدهشة والإثارة المحركة لحياته ؛ فصار أكثر شبهاً بالتمثال ، وبالرغم من التناقض الذي يجده الدارس في مواقف نيتشه من الحضارة الغربية ،ولاسيما في موقفه الانتقادي لتقدمها التكنولوجي وإعجابه بتفوقها العسكري إلا أن الإنسان المعاصر ظل ملاحقاً بماكنتها وآلاتها التكنولوجية الرهيبة بمقاصدها المادية التي لاحقت الإنسان في لقمة عيشه من خلال العولمة الاقتصادية التي ألقت بملايين العمال وأسرهم إلى الشوارع وهي تحوّل المصانع والمعامل من طبيعتها الانتاجية الوطنية إلى احتكارات كبرى يجني أرباحها القلة من المُتغوّلين بالثراء على حساب الطبقات الفقيرة. والمتأمل بدم الأبرياء النازف اليوم ولا سيما في شرقنا العربي المحاصر بأنواعٍ شتى من العدوان يتذكر استشراف نيتشة ومعه الكثير من فلاسفة الغرب ومفكريه ، ومن مفكري العرب والعالم الذين رأوا ويرون أن مصير هذه الحضارة إلى أفول بالرغم من المبتكرات الهائلة التي أتحفت بها البشرية ، يقول الدكتور عبد الوهاب المسيري الذي تصدى لسلبيات هذه الحضارة في دراسات مهمة ، نحن نعيش في عالم يحولنا إلى أشياء مادية ومساحات لا تتجاوز عالم الحواس الخمس . من هنا ظل منتقدوها يدعون إلى أنسنتها بإعادة الإنسان للإنسان بعد أن شيَّأتْهُ من خلال العمل على إلغاء العزلة والقطيعة وتبديد عوامل الانفصال خلاصًا من الغول الوحشي الذي هيمن بسلطة الأقوى والأكثر سطوة وبطشا، وهذه القوة في منهجها لا تتحقق إلا بالسعي المسعور وراء الأنا التي تحركت بميكانزمات الاحتكار وابتلاع الأضعف ، فليس من وسط متوازن في هذه الحضارة ، لأن منهجها يقوم على طرفين لا ثالث لهما ، إما غالب متغطرس أو ضعيف مهزوم ، مما أدى إلى انفجار هذا الغول نحو العدوان على الشعوب في المناطق ذات البؤر الارتكازية في العالم سواء بامتلاك الطاقة المحركة للآلة والسلاح والصناعات العملاقة أم المناطق ذات المواقع الإستراتيجية المطلة على مصالحها والمحققة لتطلعاتها غير المشروعة ، والتي تمكنها من السيطرة على العالم حفاظا على الهيمنة وابتزاز الشعوب ، يقول الشاعر أولفيي بلانكير:
أمي أنانية بلا حدود
أمي تمشي على الجثث
كل تلك الخطايا ارتكبتها الحضارة الغربية برأس خنجرها الاميركي ، وكان ضحيتها الإنسان المعاصر يوم انتهكت حقوقه وجعلته يدفع ثمن أطماعها غاليا من دمه ودم أبنائه وتخريب بلاده وتدمير أرضه وتلويث مياهه وغيرها من سلوكيات الاحتراب التي لا يمكن وصفها الا بكونها أفعالاً ضد الإنسانية، وكانت ألاف المليارات التي تصرف على الحروب والتسليح والأطماع تنتزع من فم المليارات من البشر الجائعين والمرضى ومعوقي حروب العدوان . وكانت النتيجة شعوراً بالإحباط ونقداً شديداً لهستريا هذه الحضارة غير المتحضرة ، والبحث عن خيارات جديدة تنهض بجوانب الحياة التي أفسدتها عنجهيةُ المتنفذين فيها ، أولئك الذين ربطوا هذه المرحلة الطاغية ربطاً حاسمًا بالعنصر الاقتصادي لمرحلة ما بعد الحداثة وأطلقوا عليها الرأسمالية المتأخرة والرأسمالية الاستهلاكية ثم العولمة الاقتصادية.
أوليفيي بلانكير شاهد آخر يؤكد أن الحضارة الغربية التي تحاربنا بحجة الإرهاب هي حضارة إرهابية تقتل الإنسان وتفني الشعوب بلا ذنب اقترفوه . وإذا كان لا بد من إشارة أخيرة هنا ، فلتكن كلمة صامويل هانتغتون « إن الحضارة هي كيان ثقافي … فالحضارات هي أعلى تجمع ثقافي للناس وأوسع مستوى للهوية الثقافية للشعوب ولا يسبقها إلا ما يميز البشر عن الأنواع الأخرى» سعياً للانتباه إلى أهمية ثقافتنا العربية ، والحرص على ترصينها بالقيم التي امتازت بها عبر العصور ، ما دامت القيم جوهر الحضارة ونبض حركيتها من أجل تواصل حضاري يُسهم في درء خطايا الحضارة الغربية المعاصرة وعدوانيتها التي طرحتها قصيدة «أمي» بصدق وأمانة.

مقالات ذات صلة