قراءة في كتاب «سلطة النص والقراءة «

وعي القراءة وصرامة المنهج
د. جاسم حسين الخالدي

«سلطة النص والقراءة»، الكتاب الجديد للدكتور سامي علي جبار، الذي انتظمته محاور متعددة، لكنها تدور في فلك رؤية منهجية واحدة، غير مبتعدٍ عن الصرامة الأكاديمية التي عرف بها، لكنها ليست الصرامة التي تلتزم زاوية نظر واحدة من دون أن تتخطاها، بل الصرامة التي نعنيها، هي التعامل المنضبط مع المصطلحات،والابتعاد عن الإنشائية التي طالما امتلأت بها دراسات أكاديمية كثيرة، فضلاً عن الإفادة من المصادر الحديثة وتوظيفها في المكان الذي ينبغي توظيفه فيه.
كمالا يخفي شغفه الكبير بالدرس الأسلوبي وإمكانية تطبيقه في الدراسات اللغوية العربيّة، باقانيمه المتداولة، وتفضيلها على مناهج أخرى، مثل البنيوية، والتفكيكية، ويعلل الناقد ذلك بأنَّ « النص هو ميدان الأسلوبية، يعمل على ملاحظة تطور اللغة في نموها وحركتها وتعبر عن حركية الإنسان والمجتمع في خضم توالد الألفاظ وتناسلها في إطار البناء اللفظي والإيقاع». ص7
في حين انه يأخذ على البنيوية أنها قامت على أسس فكرية لا تشبه أرضية الفكر في مجتمعنا، ومن هنا كان البون شاسعا بين النظرية والتطبيق، بما عبر عنه بـ» عزل التطبيق عن المهاد النظري الفكري». ص8
وتصدق هذه الحال – لدى الباحث- على التفكيكية التي استندت إلى (تقويض) المركز الفلسفي( العقل) في الفكر الغربي والتمركز حول الهامش من أجل تدمير النص».
ولست هنا بصدد مناقشة ذلك الأمر في هذه العجالة، لكن يبدو أن هوى الباحث للاسلوبية، لا يخلو من كونها الوريث الشرعي للبلاغة العربية ؛ لأنها بحسب وصفه « استندت إلى موروث حي في النصوص العربية البيان والتبين ونهج البلاغة وألف ليلة وليلة، والإمتاع والمؤانسة، وغيرها، ونظر من جهة أخرى إلى الاسلوبية بعين التقدير؛ لأنها « نصف موروث ونصف حداثة» وبها ومن خلالها كان التواصل مع التراث العربي.
لكن الموضوعية التي يتمتع بها الناقد، ينبغي أن تبعده عن تلك الرؤية العمومية في تقويض مناهج نقدية وجدت صدى طيباً في نقدنا العربي، لا ينكر حتى النقاد السياقيون إفادتهم من البنيوية والتفكيكية، كالناقد فاضل ثامر، وغيره.
وفي الوقت نفسه، ليس الصحيح أن نعد الانتقادات التي تُوجه للبنيوية أو التفكيكية دليلاً على عدم صلاحيتهما، وأن تعاطي نقادنا العرب معها كان خاطئاً، بناء على واحدة من مقولتها ( موت المؤلف).
وفي الوقت ذاته نتفق مع قوله ولكن مع تغيير يسير، بأن الإغراق في التطبيقات، والتعسف فيها، بعيدا عن الحاضنة النقدية العربية، جعلت كثيراً من نقادنا بلا هوية نقدية، إذ يمكن أن نقرأ خطاب د.صلاح فضل بنيويًا وأسلوبيًا، وثقافياً، وسياقياً، ومثل ذلك تجده حتى عند نقادنا العراقيين، لكن ثمة ما يؤشر لصالح نقديتنا العراقية أن ثمة نقاد اقترنت أسماؤهم مع مناهج بعينها، كالناقد حاتم الصكر مع نظريات القراءة والتلقي، وفاضل ثامر مع المنهج الاجتماعي، وغيرهما.
وبعد، انتظم هذا الكتاب – كما أوضحت أعلاه – عدد من المحاور، من بينها: الأسلوبية بين المناهج اللسانية.. الأنا والآخر المستورد، الذي جاء على سبيل التمهيد، والبنيات الأسلوبية في شعر أبي تمام، وعنوان قصيدة السياب دراسة لغوية- دلالة مقارنة، والنص القرآني ومناهج القراءات الحداثية، والخيال والسرد والتناص في (جنة أبي العلاء ) لعبد الكريم كاصد.
ففي دراسته الأولى (البنيات الأسلوبية في شعر أبي تمام ) وقف عند ظاهرة التثنية بوصفها مهيمنة أسلوبية لغوية في عموم شعر أبي تمام، وحضرت لغايات أسلوبية وبلاغية ولغوية، فهي لا تبتعد عن مذهب البديع الذي عرف به وكاد أن يُسمى باسمه. ولذلك فقد عده « مظهراً من مظاهر أسلوبه وفنه» ص38
أما دراسته الثانية ( عنوان قصيدة السياب دراسة لغوية- دلالية مقارنة)، فقد أمسك فيها بعنونة قصائد السياب، واخضع ديوانه كله إلى إحصاء دقيق ليصل علاقة هذه العنوانات مع مراحل السياب الشعرية، إذ كان لكل مرحلة عنواناتها الخاصة بها.
أما الدراسة الثالثة( النص القرآني ومناهج القراءات الحداثية)، فلا تخرج عن الميسم الذي عرف فيه في التصدي للنصوص العالية الجودة، بلا شك فإن القرآن يقف في المقدمة منها، ولكن برؤية منهجية مغايرة، أعني نظرية استجابة القارئ، وهي تدخل بما يعرف بنقد النقد، إذ حاول أن يقف عند ثلاث قراءات دارت حول نص واحد هو سورة الفاتحة، وهي قراءة (محمد بازي) النصية التقابلية، وقراءة (محمد أركون)الألسنية، وقراءة (جمال علي الحلاق) التأريخية التفكيكية، ليصل إلى « إنتاج نص مغاير لنص المؤلف اعتمادا على وعي القارئ في كشف نقص النص».
تفصح قراءة الناقد لرؤية البازي عن إعجاب في مقدرة التحليل التقابلي على تصحيح مباحث الفروق اللغوية في الألفاظ ، في حين نجده قد اخذ على محمد أركون أنه وظف المنهج البنيوي لنزع قداسة النص الديني ، ثم نزع قداسة التراث الذي دار حوله. في حين يرصد في دراسة جمال الحلاق مغالطات كثيرة، منها تفسيره لكلمة( اللهم) بأنها اسم من أسماء الله، أو إطلاقه لقب الحنفي على مسيلمة، وهو مسيلمة الكذاب كما تعرف كل المصادر التاريخية، وغيرها.وقد عدَّ هذه قراءة « صناعة أوهام وليست صناعة حقائق» ص99ومن بعد فهو يوسمها بالفوضى لأنها قراءة في خارج النص وليست في النص. ص100
أما الدراسة الأخيرة ( الخيال والسرد والتناص في (جنة أبي العلاء) فإنه يبقى في حدود المنهج الذي استعمله من قبل في دراسته اعني المنهج الاسلوبي، ولذلك فإنه يقف في القسم الأول من دراسته عند العنوان ليصل إلى أن حضور شخصية أبي العلاء لها محوران: أفقي عبر نص المؤلف الشعري، ونص( رسالة الغفران)، وعمودي بإنزاله من الجنة إلى الأرض.في حين أنه يرصد في قسم آخر من دراسته التناص مع رسالة الغفران، ولعل من بينها: الفضاء المتخيل، واللغة المتخيلة، واعتماد النقد الساخر وعناصر المفارقة التي ظهرت عند الكاصد من نقوده التي وجهها إلى سعدي يوسف، ونزار قباني وعبد الوهاب البياتي وغيرهم.
وبعد فإن كتاب» سلطة النص والقراءة « قراءة واعية لمتون شعرية ونثرية، حاول فيها الناقد أن يظهر قدرة المنهج الاسلوبي على معاينة النصوص الشعرية التراثية لما له من علاقة وثيقة بالبلاغة العربية، ويبن مغالطات القراءة البنيوية أو التفكيكية وضعفها في قراءة النصوص التراثية؛ ولاسيما القرآنية التي لا تستجيب لمعطيات أو مقولات هذين المنهجين: موت المؤلف أو تقويض النص.

مقالات ذات صلة