هكذا عرفت البكر وصدام.. رحلة 35عاماً في حزب البعث

د. فخري قدوري
الدكتور فخري قدوري من أوائل البعثيين في العراق يكشف في كتاب ” هكذا عرفت البكر وصدام.. رحلة 35عاماً في حزب البعث” معلومات عن صدام حسين الذي جمعته به علاقة عمل فرضت ملاقاته يومياً لمدة ثماني سنوات، ويقدم صورة واضحة لشخصية متواضعة في البداية، ومنتهية بتسلط ونكبات متتالية، حسب تعبير المؤلف.
وفي الكتاب أوصاف دقيقة لأحمد حسن البكر وصدام حسين وجوانب من عاداتهما الشخصية لم يطلع عليها غير المقربين منهما.ويصف المؤلف كيفية انتمائه إلى حزب البعث وسيرته الحزبية وتجاربه مع رفاقه في الحزب “بعد أن أصبح الحزب في نهاية الأمر محكوماً من قبل شخص واحد وأصبحت تنظيماته تحت مظلة الإرهاب تنفذ رغبات الحاكم المستبد”.
“الصباح الجديد” تنشر فصولاً من هذا الكتاب نظراً لدقة المعلومات التي سردها الدكتور فخري قدوري حول مرحلة الاستبداد والتفرد وطغيان صدام حسين.
الحلقة 1
د. فخري قدوري
الدكتور فخري قدوري من أوائل البعثيين في العراق يكشف في كتاب ” هكذا عرفت البكر وصدام.. رحلة 35عاماً في حزب البعث” معلومات عن صدام حسين الذي جمعته به علاقة عمل فرضت ملاقاته يومياً لمدة ثماني سنوات، ويقدم صورة واضحة لشخصية متواضعة في البداية، ومنتهية بتسلط ونكبات متتالية، حسب تعبير المؤلف.
وفي الكتاب أوصاف دقيقة لأحمد حسن البكر وصدام حسين وجوانب من عاداتهما الشخصية لم يطلع عليها غير المقربين منهما.ويصف المؤلف كيفية انتمائه إلى حزب البعث وسيرته الحزبية وتجاربه مع رفاقه في الحزب “بعد أن أصبح الحزب في نهاية الأمر محكوماً من قبل شخص واحد وأصبحت تنظيماته تحت مظلة الإرهاب تنفذ رغبات الحاكم المستبد”.
“الصباح الجديد” تنشر فصولاً من هذا الكتاب نظراً لدقة المعلومات التي سردها الدكتور فخري قدوري حول مرحلة الاستبداد والتفرد وطغيان صدام حسين.
التحول في نهج صدام
من مرحلة الى مرحلة أخرى

بانتهاء النصف الاول من عقد السبعينيات يكون صدام قطع المرحلة الاولى في تعزيز مركزه على صعيد الحزب والدولة اذ باتت الهيئات الاقتصادية الرئيسة في البلاد تعمل تحت اشرافه فيما احكم قبضته على اجهزة المخابرات , وتتخلص من رفاقه المنافسين والمناوئين , وحقق انجاز التأميم العظيم , وتجاوز التهديدات الحقيقية من شاه ايران , وقدم نفسه كزعيم (قادم) الى رؤساء الدول الشقيقة والصديقة .
في تلك الفترة كان العراق يقود نهضة جبارة في النشاط الاقتصادي والاجتماعي , في مقدمتها الحملة الفريدة لمكافحة محو الامية وتوفير العمل لكل القادرين عليه وتحويل البلاد الى ورشة للاستثمار قارب البلد من خلالها حالة الانعتاق من حلقة الدول النامية .
بدأت المرحلة الثانية عند منتصف السبعينيات فظهر على السطح بصورة جلية ما كان يخطط له صدام منذ البدء وهو السيطرة على مقاليد الحكم عن طريق العنف والارهاب وحصر مركز اتخاذ القرار بيده . فبدأت تشكيلات رسمية ومدنية تنهار , مضموماً , الواحدة بعد الاخرى وانحسرت تشكيلات اخرى شكلا ومضموناً , ولم يبق معززًا الا اجهزة المخابرات المدنية والعسكرية كأدوات لحماية نهجه .
فالجبهة الوطنية والقومية التقدمية التي اسهم هو بتشكيلاتها قد انتقلت ضرورتها المرحلية من وجهة نظره , فقوضها ولاحق اطرافها , فيما كان يراها الكثير من الحزبيين والسياسيين خطوة مهمة على طريق التطور الديموقراطي في البلاد .
ولم تعد ضرورة لعقد مجلس الوزراء ومجلس التخطيط بصورة منتظمة ما دام البت في الامور اصبح بإشارة من صدام ينقلها مكتبه الى الوزراء مباشرة .
كما لم تعد ضرورة للمكاتب الاستشارية لمجلس قيادة الثورة طالما استمر احتمال طرحها رأياً مخالفاً لرأيه وارادته .
وجعل (المجلس الوطني) منذ عام 1980 آلية (ديموقراطية) صورية لتمرير مشاريعه والتصفيق لمن ابتدع له المتزلقون “تسعة وتسعون لقبا ” ومن بهتان يصل حد الكفر .
اما لجنة المتابعة لشؤون النفط وتنفيذ الاتفاقيات فقد اصبحت اجتماعاتها معدومة في النهاية . وغدا قطاع النفط والثورة المعدنية – العمود الفقري لموارد البلاد – تحت امرته المباشرة , وضرب طوقاً من الكتمان على التعاقدات والمبيوعات والحسومات والهبات , واستخدم عدنان الحمداني امين سر لتنفيذ توجيهاته . ولم تعد البيانات النفطية العامة شفافة امام المسؤولين الاخرين وكذا الحال بالنسبة لبيانات اجهزة الدولة بحجة قطع الطريق على الاعداء والمخربين .
يشكل القانون رقم 75 لسنة 1976 احد الامثلة للسيطرة على المبيعات النفطية , حيث جاء معدلا لقانون تأسيس شركة النفط الوطنية العراقية رقم 123 لسنة 1967 . وورد في ديباجة القانون المعدل عبارة ملفتة نصها :
“بناء على موافقة رئيس الجمهورية على اقتراح رئيس لجنة المتابعة لشؤون النفط وتنفيذ الاتفاقيات قرر مجلس قيادة الثورة بجلسته المنعقدة بتاريخ 24/6/1976 اصدار القانون الاتي رقم 75 لسنة 1976 ” وخولت المادة الثانية منه رئيس لجنة المتابعة (صدام) صلاحية الموافقة على القواعد والتعديلات للعقود على التفاوض بشأنها شركة نفط الوطنية العراقية , بل والتفاوض والاتفاق على تعديل العقود , وتدخل موافقته حيز التنفيذ ابتداءً من تاريخ صدور موافقته عليها . ويتولى الوزراء –حسب المادة الرابعة – تنفيذ هذا القانون .
باستقالة البكر من مناصبه في 16 تموز / يوليو 1979 وتسلم صدام المركز الاول على صعيد الحزب والدولة يكون دخل المرحلة الثالثة على طريق الفردية والتسلط . وبإعدام رفاقه الواحد والعشرين , بعد ثلاثة اسابيع من ذلك التاريخ , تجمعت بيده ادوات البطش والارهاب ضد حزبه والاخرين , وجر البلاد اخيرًا الى الحروب الكارثية نتيجة نظراته العنجهية للأمور .
من صور التعالي
التهديد بسوق وزير خليجي الى بغداد
بدأت سلوكية صدام تتطبع بالكثير من التعالي والكبرياء منذ اواسط السبعينيات وتنامى ذلك مع مرور الايام , وسعى لفرض جبروته على الاخرين .
اذكر مرة وخلال اجتماعات لجنة المتابعة لشؤون النفط وتنفيذ الاتفاقيات انه كان لحظة انتهائه من اجراء مكالمة هاتفية ليضع سماعة الهاتف الا بانفعال شديد بقصد لفت النظر وادخال الرهبة في نفوس الجالسين امامه .
وكنا في كل مرة نتوقع تكسر جهاز الهاتف من شدة الضربة
وذات يوم رفع سماعة الهاتف مخاطباً لطيف نصيف جاسم وزير الاعلام العراقي طالباً منه الاتصال بوزير اعلام دولة عربية خليجية وابلاغه بضرورة الكف فورًا عن تصريحاته
(الوقحة) الى الصحف واجهزة الاعلام , وفي حالة العودة الى ذلك فأنه (صدام) سيأمر بسوقه الى بغداد مع “عقاله” ! ثم وضع سماعة الهاتف بغضب وعنف وكأنه يقول لنا : هل سمعتم ما انا قادر عليه والاكثر منه !
وبطبيعة الحال لم يستطع وزير الاعلام العراقي الرد بغير نعم . ولكن هل كان الوزير , من جانبه , قادراً على نقل كلام “السيد النائب ” الى الوزير الخليجي حرفياً ؟!
وكان صدام يستعمل كل قضية شاردة وواردة لإرهاب الاخرين , ولم يكن يتورع عن اغتنام حتى التفاصيل ذات القيمة التي لاتكاد تذكر لإشباع رغباته , فأن هو شرب الماء وضع القدح بقوة على الطاولة , وان نظف انفه قرن ذلك بأطلاق اصوات مزعجة من انفه مرات ومرات , ولم يكن على الحاضرين سوى المعايشة والانتظار حتى نهاية هذه المسرحية المفرقة .
بورقيية على رأس المستقبلين في المطار
عقب انتهاء زيارة الجزائر عام 1975 توجه الوفد برئاسة صدام الى تونس . ولحظة توقف الطائرة في ساحة المطار لمحت رئيس التشريفات العراقي يخبر صدام الجالس في مقعده ان رئيس الجمهورية الحبيب بورقيية موجود على رأس المستقبلين . فما كان منه واعضاء الوفد الا التطلع من خلال نوافذ الطائرة للتأكد من المشهد اللافت للنظر . اذ لم يكن ذلك الحضور
على اعلى مستويات الدولة متوقعًا لفرضيات البروتوكول التي تحدد قيام الشخص الثاني في الدولة باستقبال قرينه الشخص الثاني , وكان صدام كذلك في حينه . لكن تبين ان مشاركة بورقيية في الاستقبال كانت لفتة للتعبير عن الاهتمام فوق العادة بشخصية صدام ما بعث فيه النشوة والكبرياء .
هبط صدام من على سلم الطائرة بخطوات هادئة وكبرياء هائل ما ترك في نفسي اثرًا عميقاً لأول مرة دفعني الى الهمس في اذن الدكتور سعدون حمادي” اننا يا دكتور مقبلون على حكم فردي استبدادي لا مثيل له”,
مستفيدًا في ذلك من الثقة العميقة القائمة بيننا ,لكن سعدون فضل عدم التعليق .
بعد وصول الوفد الى مكان اقامته في العاصمة تونس اقلعت الطائرة العراقية عائدة الى بغداد على اساس العودة بعد بضع ايام لنقل الوفد الى الوطن . وفيما كانت الطائرة ما تزال محلقة في رحلة العودة الى بغداد طلب صدام ابلاغ قائد الطائرة بقطع الرحلة والعودة الى مطار تونس لإبلاغه رسالة شفوية مباشرة , كانت فحواها تكليفه بإحضار مجموعة من الهدايا الثمينة تتضمن قطعاً من السجاد الفاخر يقدمها هدية لبورقيية , حتى وان جاء تقديمها في آخر الزيارة وليس في اولها كما تجري العادة . ويبدو ان صدام الذي تأثراً كثيراً بخروج بورقيية شخصياً لاستقباله في المطار رغب برد هذا ” الجميل ” ولهذا جرى تفادي ابلاغ قائد الطائرة عن طريق برج المطار لجلب الهدايا ( المتأخرة ) لما يؤديه من احراج !
وهكذا كان عادت الطائرة واقلعت مرة أخرى الى بغداد بعد توقف قصير في مطار تونس لتسلم الرسالة الشفوية .
في قصر بورقيية الانيق الفخم الواقع على شاطئ البحر اقام الرئيس التونسي دعوة عشاء اقتصرت على صدام واعضاء وفده تحدث بورقيية خلالها عن حالة الامة العربية بطريقته المعهودة مكثرًا من استعمال يديه للإشارة في شتى الاتجاهات .
وكما كان معروفاً عن تحدث بإسهاب عن تاريخ القضية الفلسطينية وموقفه الشخصي الذي لم يلق اذاناً صاغية من احد حتى الوضع الى ما هو عليه اليوم .
ومما جاء في حديثه قوله انه كان داعياً للقبول بتقسيم الارض الفلسطينية منذ أواخر الاربعينيات وقيام دولتين متجاورتين اسرائيلية وفلسطينية ,
وانه لم يكن من سبيل آخر بالقياس الى الوضع الدولي آنذاك والحقيقة المرة المتمثلة بضعف العرب وعدم قدرتهم على تغيير الوضع المرسوم , متسائلا عن الذي في حوزة العرب من قوة , فيما نستورد جميع حاجاتنا من الخارج ابتداء من ابرة الخياطة وحتى اطلاقة المسدس والبندقية ! ثم قال وملامح الالم بادية على محياه ” والادهى في الامر انني حين كنت انادي بهذا الرأي دفاعاً عن مستقبل الشعب الفلسطيني كان الكثيرون يتهمونني بالعمالة والخيانة!”

مقالات ذات صلة