التدخل الإقليمي بشؤون العراق يفاقم أزماته الداخلية

منذ عام 2003 وإلى اليوم
ترجمة: سناء علي

«منذ الاحتلال الأميركي للعراق عام 2003 وإلى الان ما زال العراق يعاني من انقسامات داخلية حادة بين مكوناته الرئيسة ومن تدخلات دول الجوار المستمرة في شؤونه الداخلية، وأدت الانقسامات إلى حرب طائفية وقومية بين هذه المكونات، وأشدها الحرب الطائفية عام 2006-2007 التي كادت تصل إلى حرب أهلية شاملة، في مناطق حزام بغداد وشمال بابل وصلاح الدين والأنبار والموصل وكذلك إلى حافة الحرب بين قوات البيشمركة الكردية والقوات الاتحادية في المناطق المحاذية لإقليم كردستان العراق، وآخرها دخول عصابات داعش الإرهابية وسيطرتها على أربع محافظات عراقية في حزيران عام 2006، وهي مدعومة من قوى إقليمية وعالمية.»
هذا ما اشار اليه مراقبون للشأن السياسي في الشرق الاوسط والذين طرحوا دراسة تساءلوا فيها هل يحتاج العراق الى تدخل اقليمي بشؤونه ام حل سياسي يخرج العراق وآمنه من عنق الزجاجة ؟
حيث اجابوا عن هذا السؤال قائلين ان «العراق بعد الاحتلال لم تتغير النظرة اليه بل زادت السعودية من دعمها للعرب السنة بصورة علنية، كذلك دعمها السري للمجموعات المسلحة في العراق كالقاعدة وغيرها، فقد تم إلقاء القبض على عشرات السعوديين الإرهابيين في العراق، إضافة إلى من فجر نفسه على المواطنين أو على القوات الأمنية العراقية، فقد كان للسعودية دور فعال في إذكاء الصراعات الطائفية في العراق، فالسعودية كانت تحاول زيادة نفوذها من خلال دعم المجموعات المسلحة بالأموال، ودعم السياسيين السنة مادياً ومعنويًا، في محاولة منها لإيقاف النفوذ الإيراني.»
كما اضافوا الى ان «تركيا من جانبها شهدت لجوء العديد من السياسيين السنة اليها، إذ إن حزب العدالة والتنمية ذا التوجهات الإسلامية، يحاول أيضاً دخول الساحة العراقية من باب الدفاع عن السنة في العراق، الا إن هدفه الأساس ليس السنة العراقيين بل تكوين إقليم سني في العراق يمتد من الشمال وتحديدًا من الموصل ويضم اغلب مناطق غرب العراق إضافة إلى كركوك التي تضم اغلب تركمان العراق، وبذلك تحصل تركيا على موارد نفطية هائلة، لكونها سوف تصبح الممر الرئيسي لتصدير النفط من هذه المنطقة عبر أراضيها إلى أوروبا والعالم، كذلك ربط تركيا بدول الخليج العربية برياً عبر الإقليم، ومن ثم تحقيق حلمها التاريخي بتصدير المياه عبر الأنابيب أو مايسمى بمشروع السلام إلى دول الخليج العربية وإسرائيل التي بأمس الحاجة إلى المياه من تركيا.»
واضافوا ايضاً ان « الأطماع التركية ما تزال قائمة تتناغم مع ذكريات الدولة العثمانية التي خذلها العرب واسهموا بهزيمتها بل وموتها، إذ تطالب تركيا بإلغاء اتفاقية عام 1926 التي تخلت فيها تركيا بقوة السلاح البريطاني ورغبة أهل الموصل بالبقاء تحت مظلة المملكة العراقية، مع الطمع المستمر دائماً كحلم يستيقظ بين آونة وآونة أخرى بامتلاك كركوك لوجود جالية تركية.»
كما أكدوا ان «في كردستان العراق عدة حقول نفطية مغرية، فإذا وقعت كردستان العراق في براثن الدولة التركية فأول مكاسبها ستكون حقول النفط، وتصبح تركيا دولة نفطية، ولن يستطيع الأكراد أن يرفضوا طلبًا من حكومتها لا على حق ولا على باطل، ومما يؤكد الاستنتاج بأطماع تركيا في نفط شمالي العراق أنهم يشجعون الأكراد على تصدير نفطهم بمعزل عن حكومة العراق الاتحادية، فقد سمحوا بمد خط أنابيب لتصدير النفط من كردستان عبر تركيا ومعنى ذلك أن اقتصاد الأكراد سيكون في قبضة تركيا، وتحت رحمتها.»
المراقبون اشاروا الى ان «الأزمات تبناها واعتمدها بإحتراف بعض السياسيين لإستمرارية بقائهم في السلطة الحاكمة وإستوعبوا أهمية إثارتها لإستجلاب الدعم والتأييد لمواقفهم تجاه معارضيهم ،وغني عن القول مقدار تأثير هذه الأزمات على الأوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية والأمنية ،ومديات تعطيلها للحياة الطبيعية لشعب العراق ناهيك عن إعاقتها لأية فرصة لإنتشال البلاد من أوضاعها المزرية الموروثة و المستحدثة المتراكمة والإنتقال بها لأخرى لها قدرة الإستجابة لإحتياجات الناس ومطالبهم العادلة .»
كما اضافوا «إذا ما كانت الصراعات الطائفية السياسية قد مثلت أولوية أسباب ما آلت إليه أوضاع العراق الراهنة ،فإن بعض السياسيين ليسوا غافلين عن محاولة إغتنام هذه الفرصة والتمسك بالطائفية السياسية وديمومتها وتعزيزها و ترسيخها لعلمهم القاطع وقناعاتهم اليقينية عدم إمتلاكهم ما يؤهلهم تبوء ما وصلوا إليه من مواقع نافذة في سدة المسؤولية الوظيفية لإفتقارهم المؤهلات الوطنية والنضالية والمعايير المهنية والقدرات العلمية والإدارية ،وإن سلم الطائفية هو الأضمن والأقصر لوصولهم لطموحاتهم بالرهان على جماهيرها ومنجزها الأعظم الفاقد لعمق الوعي والإدراك السليم لضرورات مغادرة مواقعها الطائفية المقيتة .»
كما يرى المراقبون ان هذه الدول تحاول أن تكون شريكة في القرار الوطني بل صاحبة اليد الطولى والفاعل الحقيقي في صنع هذا القرار أو ذاك من دون مواراة أو مخاتلة ،ما يستدعي ملاحظة جادة ومعمقة حيال الأسباب التي حدت بهذه الدول الإعلان السافر عن تدخلاتها في الشؤون الداخلية العراقية وتحت أية ذريعة أو مسوغ ،وما هي الدواعي والمبررات التي أجازت بها هذه الدول لنفسها ذلك .»
كما يرى المراقبون لولا الإنقسامات والإختلالات التي أحاقت بالعلاقات بين القوى السياسية وأسهامها في شق وحدة الصف الوطني وإحداث شرخ عميق في تكوينه لما تجرأت هذه الدول عن الأفصاح العلني عن مناصرتها لهذا الطرف أو ذاك والدفاع عن رؤاه وتبني مواقفه دون الإكتراث بمستقبل علاقاتها السياسية والإقتصادية بالبلاد وما قد يسفر تماديها في دعمه وتأييده من تأزم وتوتر بعلاقاتها مع عموم الشعب.»

* عن مركز واشنطن للابحاث والدراسات الاستراتيجية

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة