حروف خمسة

احسان ناجي

ـ كم يبلغ عمره؟
ـ تجاوز السبعين..
ـ وهي؟
ـ تكبره بنحو عقد ونصف..
ـ لماذا يلامس أهدابه.. بحرية طفل..!
وقف ناحباً، استقر لأول شهيق له عميق، ترجل عن وهن أطرافه السفلى، وصار ساجداً عند الشاهد المائل تماماً اليه واستترت في زمنه الحروف وتاريخ أخير.
زحفت أنامله على الحروف!، هل كانت ثمة أهمية للبصمات؟. كل حرف أخذ وضعه وعرجه، لكن بعض الحروف رقدت تحت حبات الرمل الساخنة.
ردّ اليه الشاهد.. أكثر، مسحه بقميصه السميل، ومراراً يبلل أنمل سبابته الذي صياحاً مفزعاً.. سائراً على اللوح المرمري القديم. بدت الحروف وكأنها تُخط من جديد: اسئلته الصغيرة والأجوبة الرحيمة.. والطمأنينة، والنصائح.
ضغط على الحرف الثاني: إنسلّت صور الردع من قلبه الباكي، وحذره وخوفه، وقلقه الثابت. سار باضفره الناتئ على الحرف الثالث: انحدار الرجولة السريعة والقرارات الفحولية، صعود لامسؤوليته الأولى أمام حماقاته. تهادى وعينيه هاملتين على ذاك الآسف الذي لم يمسّ ما أسبابه، ورجع، عن انتباهة، يضغط على الحرف الرابع المرطوب باللعاب: أصوات صباح ناشزة.. وللمساء لوامة، وما يمت بالصلة كلها لعاداته السرية والعابه البسيطة التي هُشمت قبل امتحانات الثالث المتوسط، وأصوات للكسل والترهل والاستغباء والرعونة.
يسحب يده من على الشاهد، يشده اليه مرة ثانية، يسنده الى حجارة، يتحسس الحروف الأربعة الماضية.. يضرب عليها عزفاً في قلبه رحيلاً مديناً، ولن ينتظر سبابته لتحشر عند شبه دوران الحرف الخامس: للمراجعات الذاتية المؤلمة، وقراءات نفسه المتأخرة، والأزمة تلو الأزمة.. والأمراض الساكنة في سلوكه، الذات المندحرة، والانتحار الذي كان أقرب من الوحدة في منزل مفلس. لماذا أدمى الحرف المربوط في رحمها وثدييها المهاجرَين، ابهامه.؟!
لحظة جف حلقه، كرر سيره البطئ على الحروف الخمسة، بالتبول على الشاهد.
***
أشعل شموعا ثلاثا على الشاهد. ريح الوادي العتيق الخبيثة تخطف أي اسم للوهج من المقبرة: المكان للموت غير المقصود من الله.
ترنح لهب الشمعة الوسطى للريح القابضة على فصول الوادي، اللهب يذهب، وعند فطنته ومن ثم يأسه، يعود ليتوقد: النار ليست ضوءاً في الوادي.
سالت مزايا الشموع، وكان الظلام اكفهّر، وظلت تحت الجفن دمعة: الإرث المادي الوحيد. أما الأشقاء الذين لاحوا مع الريح ذاهبين الى مدنهم الحزينة لم يغسلوا حرفاً واحداً من حروف الشاهد، خشوا التي تبعث صفيراً طالباً وغباراً ينشّف العيون. حتى ريح الوادي لها ثمارها: حتوم صمت الكائنات، واهدافها الغريبة.
وقف، سوى الشاهد تحته: ماذا تُدعى الطفولة إذ غاب عنها العمر لسابعته؟، وما الصبى القافز على هشيم الجوع والعري الى سن الأربعين؟، ماذا ستكتب آلة الرأس على الشاهد الأخير؟.
الشاهد يقين، والعائلة أزيف قضية..

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة