الخوارج أول فرقة في الإسلام تؤسس للإرهاب والإغتيال

نشأتها وما رافقها من أحداث
الحلقة الرابعة
خالص محي الدين

مابعد معركة النهروان :
ماذا اعني حين اقول ما بعد معركة النهروان , اعني واقول بكل يقين وصراحة , وبكل موضوعية وبعيدًا كل البعد عن العواطف وما ارخ لها . اقول ان الأمام علي(ع) لم يبق لديه جيش يحارب به . نعم لقد كسب المعركة وانتصر فيها على الخوارج , لكنه خسر المعركة الاساسية وهي معركته مع جيش الشام , جيش معاوية .
لقد خاض جيش علي قبلها معركة الجمل وانتصر فيها وهي للأسف اول معركة تقع بين المسلمين سفكت فيها الدماء بين الاخوان والأقارب , ثم تلتها معركة النهروان بين المسلمين , بل بين فصيل من جيش علي . وبالطبع كان للقتلى من الجانبين إخوان وأقارب او اصدقاء او افراد من عشيرته او قبيلته , هذا وان العصبية القبلية ما تزال تتقد بين جوانحهم , ولم يخفت أوارها . نعم بعد ان انتهت معركة النهروان وهدأت النفوس وعادت العقول الى رشدها , أخذ اصحاب علي يستذكرون ويبكون إخوانهم وأقاربهم واصدقاءهم الذين قتلوا بأياديهم , ويتساءلون , لأي سبب ولماذا وقع ما وقع وحصل ما حصل .
بهذه الحالة من النفوس الحزينة والمضطربة واليائسة . جمع الأمام علي(ع) أتباعه وخطب فيهم داعياً إياهم لحرب معاوية قائلا « إن الله قد أحسن اليكم واعز نصركم , فتوجهوا من فوركم الى عدوكم « .
« فقالوا له يا أمير المؤمنين , قد كلت سيوفنا , ونفدت نبالنا , ونصلت أسنة رماحنا , فدعنا نستعد بأحسن عدتنا « .
إن طلب عسكر علي إمامهم مدة من الزمن للراحة قصد التهؤ للحرب ثانية , ما هي إلا حجة لهربهم وعجزهم ومللهم من القتال ونكوصهم عن هذا الواجب الذي يعد جهاداً مقدساً . في هذه المهلة الزمنية من الراحة , أخذ اصحاب علي يتسللون ويلحقون بأوطانهم , فلم يبق معه , ألا نفر يسير , ومضى الحارث بن راشد الناهي في ثلاثمائة من جنوده فارتدوا عن الإسلام الى دين النصرانية . وهكذا تفكك جيش علي , وأخذت عساكر معاوية تشن الغارات وتستولي على الأمصار وفي سنة 38هـ وهي السنة التي وقعت وانتهت فيها معركة النهروان . ارسل معاوية عمرو بن العاص الى مصر في اربعة الاف مقاتل , فالتقوا هم ومحمد بن ابي بكر . وكان عامل علي عليها . فانهزم جيش محمد واختفى في دار , فأحيط بالدار . فخرج اليهم ومن معه وقاتلهم حتى قتل , فجعلوه في جلد حمار واضرموه بالنار . وبلغ معاوية قتل محمد واصحابه , فاظهر الفرح والسرور . وبلغ علي قتل محمد وسرور معاوية فقال « جزعنا عليه فدر سرورهم , فما جزعت على هالك منذ دخلت هذه الحروب جزعي عليه .
كان لي ربيباً , وكنت اعده ولداً . وكان بي براً . وكان إبن اخي . فعلى مثل هذا نحزن وعند الله نحتسبه « .
وهكذا أخذ اصحاب معاوية , يغيرون على الأنبار , وغيرها من الأمصار , وليس من رادع لهم ومن احد لردهم , لقد ضعف امر علي , وتشتت جيشه وليس بمقدوره تحريك جنده , يقول في صفحه 187 ج3 من نهج البلاغة ما نصه « لقد كنت أمسي أميرًا فأصبحت اليوم مأمورًا , وكنت أمسي ناهياً فأصبحت اليوم منهياً , وقد احببتم البقاء وليس لي ان احملكم على ما تكرهون « .
وهذا إبن عمه , وعامله على البصرة , أخذ كل اموال البصرة , واستولى عليها , وحملها وذهب بها الى مكه من دون خوف او رادع , وهكذا عمل آخرون من الولاة .
فشكا امره الى الله قائلا « نشكو اليه غيبة نبينا , وكثرة عدونا , وتشتت اهوائنا « . وادرك معاوية مواطن الضعف في جند علي وطواعية عسكره له حين قال . « وكان علي في أخبث جند واشدهم خلافاً وكنت انا في اطوع جند واقلهم خلافاً «
اخذت عساكر معاوية تتوسع في البلاد والتي كانت تحت سيطرة علي ولا من رادع او راد لها. فأحتلت مصر وقتل محمد ابن ابي بكر شر قتل , واحتلت اليمن , وتهاجم الانبار من حين الى حين آخر , وهرب مصقلة بن هبيرة الشيباني , الى معاوية وهو من اتباع علي .
كان الحزن قد الم وعشش في قلب علي , وهو يرى الاحداث تتوالى عليه وليس من ناهض لردها . وكان البكاء يعتمل ويختلج في صدره , ولكن الدموع كانت خجلة وعصية على ان تنحدر من بين اجفانه .
كانت هذه المواقف المتوالية والمؤلمة , من نكوص اتباعه وتخاذلهم وفرارهم منه باعثاً على ان تنفجر عن خطب كانت متنفساً له عما يعتمل في صدره من غضب ويأس وألم , صار يخاطبهم بأقسى العبارات , لانه كان لا يرى فيهم نفعاً ولا مراداً وليس فيهم ناهض او مجيب لما يراد . وها انا أوردت فقرات من بعض خطبه الكثيرة التي وردت في نهج البلاغة, والتي يظهر فيها الامام علي على غير ما هو عليه . اذ يبدو يائسًا حزيناً غاضبًا . في صفحة 63 ج2 من نهج البلاغة وبعد ان تواترت عليه الأخبار بأستيلاء اصحاب معاوية على الأمصار , وقدم عاملاه على اليمن وهما عبيد الله بن العباس , وسعيد بن نمران , لما غلب عليهما بسر بن ارطأة . فقام علي الى المنبر ضجراً غاضبًا من تثاقل اصحابه عن الجهاد والدفاع عن ارضهم ومخالفتهم له بالرأي فقال : « انبئت ان بسراً قد اطلع اليمن , واني والله لأظن ان هؤلاء القوم سيوالون منكم , باجتماعكم على باطلهم , وتفرقكم عن حقكم , وبمعصيتكم امامكم في الحق . وطاعتهم امامهم في الباطل . وبأدائهم الامانة الى صاحبهم , وخيانتكم , وبصلاحهم في بلادهم وفسادكم . اللهم اني قد مللتهم وملوني , وسئمتهم وسئموني . فأبدلني بهم خيرًا منهم , وابدلهم بي شراً مني . اللهم مت قلوبهم كما يماث الملح في الماء « . وفي صفحة 67 ج2 يظهر فيها علي تقاعس جيشه عن القتال , ويظهر فيها ندمه من معرفتهم ومصاحبتهم فيقول : « اما بعد فإن الجهاد باب من ابواب الجنة فتحه الله لخاصة اوليائه , وهو لباس التقوى ودرع الله الحصينة , وجنته الوثيقة , فمن تركه رغبة عنه ألبسه الله ثوب الذل وشمله البلاء …… ألا اني قد دعوتكم الى قتال هؤلاء القوم ليلا ونهارًا , وسراً واعلاناً . وقلت لكم اغزوهم قبل ان يغزوكم . فوالله ما غزي قوم في عقر دارهم الا ذلوا . فتواكلتم وتخاذلتم , حتى شنت الغارات عليكم ….. فيا عجبا والله يميت القلب ويجلب الهم من اجتماع هؤلاء القوم على باطلهم وتفرقكم عن حقكم . فقبحاً لكم وترحاً . حين صرتم غرضاً يرمى . يغار عليكم ولا تغيرون وتغزون ولا تغزون . وبعصى الله وترضون . فإذا امرتكم بالسير اليهم في ايام الحر قلتم هذه حمارة القيظ امهلنا ينسلخ عنا الحر . واذا امرتكم بالسير اليهم في ايام الشتاء قلتم هذه حارة القر امهلنا ينسلخ عنا البرد . فوالله انتم من السيف افر . يا اشباه الرجال ولارجال حلوم الاطفال وعقول ربات الحجال . لوددت اني لم اركم واعرفكم معرفة والله جرت ندماً واعقبت سدماً قاتلكم الله لقد ملأتم قلبي قيحاً وشحنتم صدري غضبا وجرعتموني نقب التهاماً انفاساً . وافستم على رأي بالعصيان والخذلان , ولا رأي لمن لا يطاع « .
وفي صفحة 73 من نهج البلاغة يخاطب اصحابه بألم وحسرة . « أيها الناس المجتمعة ابدانهم , المختلفة اهواؤهم . كلامكم يوهي الصم الصلاب . وفعلكم يطمع فيكم الاعداء , لا يمنع الضيم الذليل , ولايدرك الحق الا بالجد. أي دار بعد داركم تمتنعون ومع أي امام بعدي تقاتلون . المغرور والله من غررتموه , ومن فاز بكم فقد فاز والله بالسهم الأخيب , اصبحت والله لا اصدق قولكم ولا اطمع في نصركم ولا اوعد العدو بكم . ما بالكم ما دواؤكم ؟ ماطبكم ؟ القوم رجال امثالكم , اقولا بغير عمل , وغفلة من غير ورع , وطمعاً في غير حق .
هذا غيظ من فيض مما كان يعتمل في صدر ابي الحسن .
وخلاصة الامر ان معاوية مسك الامور بيد من حديد وسيطر على اكثر بلاد الإسلام , وتحت إمرته جيش موحد يأتمر بأوامره , وينقاد له . بالوقت الذي نرى ان ليس لعلي جيش يقاتل . لقد حوصر علي في الكوفه , وان جيش معاوية صار قاب قوسين او ادنى ليدخل الكوفة , ولانعلم مافي نية معاوية ان يعمل بخصمه اللدود لو ظفر به . وذكرى المأساة المؤلمة لمحمد بن ابي بكر , ما تزال طرية وعالقة في الأذهان .
ويتمثل حقد معاوية تجاه علي , برغم تنازل إبنه الحسن عن الخلافة له . بعد وفاة والده . ظل علي يشتم من على المنابر , وظل هذا العمل المشين واللا اخلاقي يمارس حتى خلافة عمر بن عبد العزيز الذي رفعها لمكانة علي ومنزلته في قلب هذا الخليفة العادل.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة