الرؤية التركية للقضية الكردية

من “كتاب العمق الاستراتيجي”
الحلقة الرابعة
احمد داود أوغلو

الثقافة السياسية الداخلية والتأثير الاقليمي
تقع المسألة الكردية في بؤرة التوازنات الدولية والاقليمية في الشرق الاوسط وتعد قضية مفتوحة على شتى انواع الاستغلال وهي مسألة تتعلق بتركيا تعلقاً مباشراً من حيث السياسة الخارجية والتخطيط الاستراتيجي الاقليمي ومن حيث الوحدة الداخلية والتكامل السوسيوثقافي والسوسيوسياسي وتحمل هذه الاهمية الجيوسياسية التي تتسم بها المسألة الكردية ملامح متعددة الابعاد تتجلى في اطر جديدة بين مرحلة ومرحلة أخرى وينبغي علينا ان ننظر الى القبض على اوجلان بوصفه فرصة مهمة تتيح لتركيا تقييم هذه الابعاد بمزيد من الهدوء كان ينظر الى المشكلة الكردية في تركيا على انها مشكلة التدهور الاقتصادي في الشرق التركي او انها مشكلة امن سياسي يتعلق بحزب العمال الكردستاني والارهاب وبالرغم من احتواء هذين الاعتبارين ابعاداً مهمة الا انهما غير كافيين وحدهما من اجل التوصل الى حال دائم وطويل المدى فحتى ان تم القضاء تماماً على تهديدات حزب العمال الكردستاني الارهابية داخل الحدود التركية من القبض على اوجلان فمن المتعذر توقع حذف المسألة الكردية من جدول اعمال تركيا والمنطقة مادام بقيت حالة الاضطراب والغموض في العراق وبقي احتمال تغير هوية شمالي العراق.
على النقيض من ذلك فربما يسفر القبض على اوجلان واحتواء مسألة الارهاب عن نتيجة تعبر وبنحو اكثر وضوحاً ومباشرة عن المسألة الكردية وينطبق هذا الوضع ايضاً على الدبلوماسية الاميركية التي شعرت بأن مخزون الارهاب التركي في شمالي العراق بات معلقاً فوق رأسها كسيف ديموقليطس ومن الملفت للنظر هنا انه بعد القبض على اوجلان كادت العمليات العسكرية الموجهة نحو شمال العراق من قاعدة انجرلك العسكرية تصبح عمليات روتينية بل انها طالت نحو خط انابيب كركوك- يومورتالك بالرغم من كل التحذيرات وعلى صعيد آخر هناك اعتقاد بأن النهضة الاقتصادية في المنطقة يمكن ان تؤدي الى حل المسألة على المدى الطويل وهو اعتقاد يبني على تفاؤل مجهول النتائج بالرغم من صحة بعض جوانبه ومن الملفت للنظر ان تمزق يوغسلافيا بدأ من سلوفانيا التي تمتلك بنية تحتية اقتصادية اكثر تطوراً نسبياً كما ان الدول التي انسحبت عن الاتحاد السوفياتي كانت دول البلطيق ذات البنية التحتية الاقتصادية الافضل.
ونتعلم ايضاً من تجاربنا التاريخية ان الدولة العثمانية طبقت في ولايتي الطونة وبغداد مشروعات نهضة اقتصادية اقليمية تعد الاكثر شمولاً في القرن التاسع عشر ولكنها فقدت هاتين الولايتين بفعل استغلال القوى الخارجية لمساحات التوتر الداخلية وفضلاً عن ذلك فان سعي شعوب المنطقة التي عانت من التخلف الاقتصادي على نحو لا يقارن بأيامنا هذه الى الارتباط بوحدة مصيرية مع الدولة العثمانية ضد الحركة الارمينية المدعومة من الرؤوس في الحرب العالمية الاولى ومع حكومة الاناضول ضد المعتدين اليونانيين المدعومين من القوى الغربية في حرب الاستقلال التركية يوضح ان ليس ثمة علاقة تلازم مطلقة بين مشاعر المرجعية وبين النهضة الاقتصادية ومن هنا فان دخول حزب العمال الكردستاني في جبهة واحدة من اليونان والارمن- وان الحزب يستغل مشكلات الجماهير في المنطقة التي تعيش اليوم ظروفاً افضل- يمثل ظاهرة تستوجب الوقوف عندها بدقة وحساسية فالوضع الاقتصادي ليس السبب الوحيد- بالرغم من كونه سبباً مهماً- لهذا الارتباط العوامل الداخلية والخارجية.
وليس ثمة شك في ان التوصل الى حل دائم للمشكلة مرهون بمدى القدرة على اعادة تقييم الابعاد الثقافية والاقتصادية والسياسية والدبلوماسية للمشكلة على نحو متكامل كما ان أي بعد من هذه الابعاد لا يكفي وحده لحل المشكلة اما عنصر الحل الاساسي الذي يتضمن هذه الابعاد جميعاً فيتعلق بمشاعر المرجعية التي تقع في صلب الاسس الثقافية والاقتصادية والسياسية وان لم يكن هناك نظام سياسي ونظام اقتصادي ووسط ثقافي قادر على انتاج مشاعر مرجعية من شأنها الاحاطة بكل شرائح المجتمع فلن يكون من الغريب ان يطفو مثل هذا النمط من التوترات الداخلية التي تتغذى من صدام المصالح الجيوسياسية الخارجية على السطح مراراً وتكراراً ملتحقة بعباءات جديدة في مرحلة كهذه على تركيا تعهد عملية اصلاح تؤكد فيها على وحدة اراضيها وتكاملها من خلال مفاهيم واضحة لشرعية سياسية حقيقية والتوجه نحو تبني استراتيجية في السياسية الخارجية تراعى التوازنات الدولية والاقليمية في الشرق الاوسط وترتكز على خطة تطبيقية شاملة والا فان الاستقطابات الجديدة في الداخل والخارج وخطاباً يقوم على انتاج الاعداء سيكون بمقدورها افراز من هو اكثر تخريباً وانفصالية من اوجلان من دون
تطوير ثقافة سياسية تضم كل شرائح المجتمع، وكل مناطق الدولة برباط مواطنه واحدة، لن يكون من الممكن التصدي لتأثيرات العوامل الخارجية في بيئتنا الداخلية.
اقامت القوى العظمى الموازين في هذه المنطقة التي تبدو اليوم ممزقة وجعلت الوضعية الجيوسياسية الكردية ستدخل في عملية تكامل مع القوة الاقليمية التي تعزز مشاعر المرجعية على المدى الطويل وسوف يتم حل المشكلة على المدى الطويل بتوكيد وحدة المصير التي تؤكد على مشاعر المرجعية الواحدة لدى جماهير المنطقة.
فبدلا من الخطاب الذي يحمل مخاطر زعزعة مشاعر المرجعية الاجتماعية في مرحلة شهدت توجيه ضربة مهمة للإرهاب يجب على تركيا تبني مقاربات ثقافية وسياسية واقتصادية تميز فيها بين المجموعات الارهابية وبين الشعب الكردي، وتحتضن بها جماهير المنطقة البريئة بواسطة مشاعر مرجعية جديدة وتتمتع تركيا في هذه النقطة بميزات مهمة مقارنة بالقوى العظمى التي تسعى الى الدخول للمنطقة ومقارنة بدول المنطقة الاخرى التي تضم عناصر كردية فقد عاشت العناصر التركية والعناصر الكردية معاً لما يزيد على الالف عام من دون ان يدخلا في أي صدام ذي صبغة عرقية ودافعا معاً عن الدولة العثمانية التي مثلت موقع المقاومة الاخيرة في وجه الغرب؟ واستمر نضالهم المشترك ايضاً خلال حرب الاستقلال التركية.
ان عناصر التاريخ والجغرافيا والدين والثقافة المشتركة وهي معطيات ثابتة اصلية، عملت على انصهار وتوافق الناس الذين عاشوا في مناطق الاناضول المختلفة من خلال مشاعر المرجعية الاجتماعية المشتركة ولم يستطع حزب العمال الكردستاني بالرغم من كل جهوده ان يحظى بدعم كاف من العناصر الكردية. ولا يرجع السبب في ذلك الى التدابير العسكرية فقط بل والى الوعي المشترك الذي افرزته مشاعر المرجعية الواحدة ايضاً ومن ثم فان اضعاف مشاعر المرجعية المدعومة بالتراكم التاريخي قد يسفر عن نتائج اكثر خطورة من حزب العمال الكردستاني نفسه والوسيلة المعاصرة لتعزيز مشاعر المرجعية النابعة من المواريث التقليدية والتي تجمع بين المجتمع كله هي الوعي بالمواطنة فلا يمكن نقل حس المرجعية الاجتماعية الى ساحة الشرعية السياسية من دون تشكيل الوعي بالمواطنة، وصياغة قانون للمواطنة يحتضن المجتمع كله من دون أي تمييز او تحيز ولذا فثمة مبدآن رئيسان ينبغي لمقترحات الحل الثقافي والاقتصادي والسياسي الاعتماد عليهما:
1- تقوية مشاعر المرجعية بوصفها كلا لا يتجزأ ودعم العناصر التاريخية والدينية الثقافية والجغرافية التي تؤكد هذه المشاعر.
2-ضمان حق المساوة للمواطنين بوصفه اساسًا للشرعية السياسية من دون الشعور بالحاجة الى تدخل أي قوى خارجية.
تمر تركيا بمرحلة بالغة الحرج ان من حيث الوضع الخارجي او من حيث ثقافة الداخل السياسي ويتمثل العنصر الرئيس الذي سيكسب المجتمع قوة نهضة جديدة في اعادة تأسيس مشاعر المرجعية الاجتماعية على ارضية سليمة، كما ان أي خطاب من شأنه تصعيد التوتر الاجتماعي واضعاف النسيج الثقافي الذي يوحد شرائح المجتمع يجب ان لا يجد صدى لدى اهل البصائر وان طربت له بعض الاذان همة اثار للتمزق الجوسياسي والجيوثقافي، والجيواقتصادي في خلفية الاضطرابات الموجودة في سياسات الشرق الاوسط، وفي مساحات الصدام التي تشطره و في المخاطر الاستراتيجية وامتداد خطوطها بين وحدات سياسية مختلفة ينشد كل منها تحقيق التكامل الداخلي اما التمزق الجيوثقافي فينبع من اضعاف الارضية المشتركة بين الاطر السياسية الصلبة للمجموعات الثقافية وبين المجموعات الثقافية المتداخلة او ينبع من انسلاخها الجيواقتصادي فيعود الى توزيع المصادر الاقتصادية على نحو غير متوازن بين الوحدات السياسية المختلفة وهي مصادر يتطلب توفيرها ونقلها واستعمالها تحقيق التكامل الداخلي كذلك.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة