مشاهدات في معرض القاهرة الدولي للكتاب 2017

د.ثائر العذاري

ليست المرة الأولى التي أزور فيها معرض القاهرة الدولي للكتاب، ولكني في كل مرة ألتفت إلى مشاهدات لا علاقة لها بالأجنحة ولا عنوانات الكتب، مشاهدات اجتماعية أتمنى لو أني أراها في بلدي وهو ليس أقل من أن تكون فيه.
يقام معرض القاهرة على أرض كبيرة المساحة تسمى أرض المعارض في موقع يشبه كثيرا موقع معرض بغداد الدولي، غير أن معارض القاهرة تكاد تكون خالية من المنشآت، فثمة مبنى كبير عند بوابة المعرض الرئيسة وبضعة قاعات فقيرة متناثرة أما الأجنحة فتقام في خيام كبيرة وتعطى أرقاما كأنها قاعات.
وصلت المعرض صباح اليوم الثاني لافتتاحه ففوجئت بطابور طويل جدا يقف في انتظار الدخول، فالزوار يدخلون من باب ضيقة للتفتيش. وتجعلك رؤية هذا الكم الهائل من القراء تشعر بالتفاؤل إذ يبدو أن الأمة ما زالت بخير، ووقفت في الطابور وكان أمامي أربع فتيات صغيرات في العقد الثاني من أعمارهن وكن يتناقشن في جدوى قراءة الرواية الذي اختلفن فيه وكانت كل منهن تدعم رأيها بأمثلة من روايات قرأتها. ومع مرور الوقت اكتشفت أن الحوارات بين أفراد طابور المنتظرين كلهم لا تدور إلا حول الكتب التي جاؤوا للبحث عنها. لم أشاهد شخصا واحدا حاول تجاوز دوره ولا رأيت علامات ضجر وضيق من الانتظار.
ويفاجئك المعرض أن معظم زواره من الشباب دون سن الثلاثين، وقد تكون نسبتهم بحدود الثمانين بالمائة، فنحن إذن أمام جيل جديد عاد لمعاقرة الكتاب. ثم تلاحظ أن أغلب هؤلاء الشباب من الإناث، فهل نحن مقبلون على زمن المرأة؟!
في معرض القاهرة الدولي للكتاب يتنوع الزوار بتنوع الكتاب، اليساري إلى جانب السلفي، ومدمن السياسة إلى جانب من يبحث عن سير لاعبي كرة القدم، لكن اللافت أن الجميع يقبلون بعضهم، فلا مشادات ولا توترات ولا شعارات استفزازية.
في المبنى الرئيس أربع قاعات صغيرة للندوات، التي تصل أحيانا عشر ندوات في اليوم، يتحدث فيها كبار رجال الفكر والأدب من مصريين وعرب وأجانب عن مشاركاتهم في المعرض أو عن المصاعب الثقافية واقتراح حلول لها. ولكن ما يهمني عرضه هنا فكرة الموائد المستديرة التي تعقد في صالة المبنى الرئيس، إذ يجلس مجموعة من المهتمين لا يتجاوز عددهم السبعة حول مائدة مستديرة يتحاورون بموضوع واحد محدد ويمكن للزائرين الجلوس على مقاعد عريضة والاستماع إلى الحوار للإفادة منه، وقد شاركت في مائدتين إحداهما حول كتابة القصة القصيرة والثانية حول أزمة الشعر المعاصر.
هنا وهناك في طرقات المعرض تواجهك، وأنت تتنقل بين الأجنحة، فعاليات تطوعية مبهجة، رأيت مثلا شابا وشابة يرتديان ملابس عربية قديمة ويتقمصان دور المنادي، يبيعان كتبا قديمة بأسلوب مبهج إذ يناديان بالتناوب وبلغة فصيحة وسليمة (الكتاب بجنيه واحد. هلموا هلموا.. إلي إلي)، وشاهدت شبانا وشابات يرتدون الأزياء الفرعونية ويتقمص كل منهم شخصية من شخصيات ملوك الفراعنة وأمرائهم ليلتقط الزائرون الصور معهم ويسألونهم عن الشخصية التي يتقمصونها.
في أجنحة دور النشر المصرية، وبخاصة الهيأة المصرية العامة للكتاب، تفاجئك الأسعار الرخيصة للكتب التي لا يمكن بأية حال مقارنتها بأسعار دور النشر الأخرى. لكن الأهم من هذا ما تجده من احتفاء المصريين بمنجزهم الثقافي الذي ينظرون إليه على أنه قوة مصر الناعمة، فتجد كتبا نشرت منذ أوائل القرن الماضي وقد أعيد طبعها مثل كتب طه حسين والعقاد ودواوين شعراء مصر شوقي وحافظ وجماعة أبولو وغيرهم.
معرض القاهرة الدولي للكتاب تظاهرة ثقافية تقدم الكثير من الدروس التي تبرهن أن الشرط الأساس للإنجاز الثقافي هو الإرادة حتى مع شحة الموارد المالية، أما وفرة المال فليست بالضرورة قادرة على صناعة بيئة ثقافية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة