متمدنون، لكن غير متحضرين

لا يمكن للمرء ان ينضم الى جيل المتحضرين بمجرد انتقاله من الريف الى المدينة، وارتدائه البدلة الاوروبية، والاقامة في فيلا باهرة، أو صار يستعمل الكمبيوتر والمحمول والطائرات والسيارات الفارهة، أو يكون قد أجاد الحديث باللغات الاجنبية، وارسل شعره طويلا، ويستعمل احدث وسائل التعامل مع البنوك، ويعرف الطريق الى مضاربات المال والصفقات، وتوظيف السياسة والولاء في دواعي المصلحة، وربما صار يقطع صلته بالقرية ودواوينها، ووثـّقها بالمدينة ولياليها، او هجر شلته في الحارة الشعبية بعدما وطدها بابناء القصور المحمية.
اقول، قد يكون الواحد منا قد نجح في كل ذلك لكنه لن يكون، بحسب المصطلح الاجتماعي الاكاديمي اكثر من شخص اصبح متمدناً، وليس بالضرورة متحضراً، لأن التحضر، تغيير نوعي في السلوك والتفكير، يقوم على ممارسة قيم الحياة الجديدة التي انتجتها المدنية ومجرى تلاقح الثقافات، والتواصل الانساني في اصول التعامل مع الاخر بوصفه شريكاً في ملكية الحياة والمصير، ما ينعكس (خلال تجليات الانتقال من الفردية الى الجماعية) في حياة المجتمع نفسه، والمثل الذي اورده عالم الاجتماع الفرنسي بيير باردو يصح العودة اليه هنا حين قال “إجلب شخصاً ما من مجاهل الغابات من وسط أفريقيا أو الأمازون مثلاً، ثم ألبسه ما يليق بحياة المدينة ووفر له جميع أدوات المدنية المتاحة، فإن ذلك الآتي من الغابات قد أصبح “متمدناً” بسبب هذا، ولكن نمط تفكيره وتصرفاته وقناعاته سوف تبقى معاكسة ومخالفة لأبسط معايير التحضر”.
في جدالاتنا الاجتماعية والثقافية نقول، في الغالب، اننا متحضرون بالوراثة، او بعبارة اخرى مخادعة: اننا حاملو حضارة ومدنية غابرة.. لكن هذه النظرية بطلت منذ زمن قديم حين مرّ على انطفاء تلك الحضارة والثقافة الملهمة والمتألقة ما يزيد على الف عام خوضنا خلالها (وأمم كثيرة)في عالم الجهالة والتخلف، وهجرنا الكثير الكثير من قواعد السلوك والتفكير التي انتجتها تلك المرحلة التي نتغنى بها، بل وانقلبنا على غالبيتها لنحل محلها نزعات من العصبية والخرافة والهرطقة والاباطيل والبدع وآخرها الطائفية، إذ صارت هذه العناوين ثقافة جمعية مرتدة وشكلت هوية هجينة مترسخة، انتهت الى عامل معرقل للتطور واللحاق بالمستقبل.
التنافس الانتخابي، مثلا، يشكل ركناً اساسياً في لوازم التحضر، فان ثقافة التخلف تدس نزعات الجاهلية والاحتقان والرغبة بالتنكيل واستعمال اساليب القهر والاحتيال واللصوصية في عملية التنافس هذه التي تكشف الفارق بين المتحضر حقاً، وبين من يدعي.. كشفاً على هيئة فضيحة.
***********
همنغواي:
«يحتاج الإنسان إلى سنتين ليتعلم الكلام وخمسين ليتعلم الصمت».
عبدالمنعم الأعسم

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة