موفق محمد بين زمنين

عبد الأمير خليل مراد

يقول الباقلاني في اعجاز القران : ( ان نقد الكلام خطير ، وتمييزه صعب) ، وهذا لا يمنع من التماس طرق عدة في الوصول الى اعتاب أي نص شعري ، وفحص معطياته التعبيرية ، والمضامين التي تشترك في تأصيل مساراتها الشفرات والعلامات التي تحتكم اليها محددات الكتابة الشعرية .
ولان الشعر ، هو الخطاب اللغوي الذي يستقي رؤاه من التاريخ كفعل تعبوي ، ومن الحاضر كنسق مراوي تتصادى في اعماقه اوهاج المعاناة ، فالتقصي في تمييز خصائصه يشكل نوعا من الافتراض القسري على كونيته التي تحجبها القوانين ، والاسوار ، والحواجز ، فالشعر يبقى بكل انماطه ، فناً تلقائياً خالصاً ، معبراً عن خطاب الوجدان .
ان صعوبة تمييز الكلام ، واخص الشعر تكمن في مفهومات ومحاور عديدة ، منها، موضوعية التناول ، دقة الابانه ، براءة الطرح ، ونضج الادوات .
ولعل الاقتراب من الشاعر ، انساناً يشكل عتبة اولى في الدخول الى عالمه من ثنايا سيرته الذاتية ، ومن ثم فأن ابداعه ، هو الرصيد المنظور في تلمس هذا الابداع ، بوصفه انعكاساً آلياً لهذه السيرة ، حيث تتدخل الصناعة والافتعال في مسارات أي تجربة شعرية ، بتمثيلها لما يصدر عنها بصدق واخلاص ، او بتحييدها عن وظيفتها الحقيقية، بتأبيدها في رتابة الاداء ، او الفوضى الشكلانية .
والواقع ان سيرة الشاعر موفق محمد تعطينا مقطعاً جزئياً ، ومحدوداً عن خصائص شعره ، وان هذه الخصائص لم تكن بالضرورة ذات معايير اشاريه في استبصار الخفي والمعلن من مفردات تجربته الشعرية ، والتعبير عن بئته بصيغه ، او بأخرى.
يقول هنري جيمس
( ان حياة الكاتب ومؤلفاته شيآن مختلفان ، وليست المعرفة الوثيقة بأحدهما ضرورية للاستمتاع الحقيقي ، بالثاني ، فأن الكاتب الذي يقدم لنا مؤلفاته ليس مضطراً لان يلقي لنا بحياته في اثر هذه المؤلفات . )
اذاً يمكننا ان نهجس ثنائية البوح والصمت ، منذ القراءة الاولى لسيرة موفق محمد الذاتية ، فالشاعر لا يميل الى الاعلان عن موهبته ، او التحدث عن النظريات او الاليات التي تصنع بوساطتها هذه الكتابة ، او محاولة الاستئثار بالحوارات الصحفية ، فكثيراً ما نرى موفق محمد يلوذ بالصمت ، حتى وان كان الحديث عن شعره حيث يتشاغل بأشيائه وكلماته ، غير ان عينه ترسلان الكثير من العناوين والافكار .
ان حالة الاستغراق هذه ، لا تعني التقهقر الى الاعماق ، او الانزواء عن المظهر الجماعي ، فالصمت غايته الاثيرة ، وهو كما نراه عنده اكبر من الكلام ، وبالتالي فأن هذا الصمت عبارة عن مركزية ابلاغية، تبوح بالعديد من الكلمات التي تتبدى في حركة الشفاه ، وارتجافة الانامل .
وعليه فأن تجسيد هذه الثنائية قائم على التضاد ما بين البوح والصمت ، بوصفهما ملمحين يغيبان حين يحضر الصمت ويحضران حين يغيب البوح .
وقديماً ، قال النفري . ( المرء عالم حتى يتكلم ).
ومن الواضح ان لكل تجربه ، قضيه يبتغي الشاعر توصيلها الى الاخر ، حيث تعتمد هذه القضية حركية السؤال وهو يحيا في مسام التجربة وشرايينها ، اذ يبحث فيها عن اجابات مقنعة نلتقطها من احتكاكنا بالواقع ،هذا الواقع الذي يصبح فيه الشعر نتيجة حتمية لما فيه من عذابات واسرار .
والظاهر ان الزمن ببعديه، التاريخي والشعري في تجربة الشاعر موفق محمد يطغى على غيره من الظواهر التي تشكل ملامح هذه التجربة ، فالزمن الاول ، زمن تاريخي وفضاؤه ، الاحداث والوقائع ، والزمن الاخر ، هو الزمن الشعري وفضاؤه الايقاع والانشاد .
فعلاقة الشاعر بالتاريخ ، علاقة جدلية ، تبادلية ، الولادة ، البقاء ، الزوال ، يقول ، هيجل ، ( لا تاريخ الا تاريخ الاشخاص ) فالأشخاص بصراعهم ، ومقاومتهم المطلق ، هم مادة هذه الوقائع والاحداث ، التي عادة ما نسميها بالتاريخ ، ولعل الشعر هو السجل الذي يؤسس مضامينه على مفردات صنعها الماضي ، واخرى اجترحها ضمير الحاضر ، وبالتالي فأن هذه المفردات هي التي تجعل من التاريخ مهاداً ديناميا للشعر.
ومن هنا لا يمكن عزل النص الشعري عن افاقه التاريخية ، حيث ينظر الى التأريخ كمنظومة من العلائق الراسبة في قيعان الذات , ولو حاولنا ان نحيد عن ضغطها بشكل او بأخر ، فأن منطق اللحظة هو الذي يحجز او ينتج زمنية هذه النصوص من خلال الإشارة والقرائن ، وكانه شاهد يتعقبنا ، او حتمية تحصي مصائرنا .
ففي قصيدة ( النهر والمقصلة ) ، هناك زمن ، وحدث ، وشاهد ، فالزمن ، ماض .. يا أيها النهر الذي ابتكر الحياة ، ( ابتكر ) والحدث ، الطف ، والطف مطحنة ستأكل بالعظام وبالجماجم ، والشاهد ، الحسين ، يا آية الله الاخيرة وهي تختصر النبأ ، ويخاف نبرتها الملأ .تريد هذه القصيدة ايجاد منطقها التاريخي في ما تحيل اليه واقعة الطف , اذ يزيح الشاعر رمزية هذه القضية . من سلطة الماضي لتكون هي قضية الحاضر , اذ تأتي كلمات , النهر , الطف, الحسين , وكأنها تقيد الزمن في حقبة ذي دلالة ماضوية , , فالنهر في المرموز الديني يشير الى قدسية الماء , بوصفه باعثاً للحياة , ( وجعلنا من الماء كل شيء حي ) , كما ان عدم تكرار الماء لمجراه مرة اخرى , يشتت ابدية البقاء , حيث يؤكد فعل الزمن في الانسان , كما يرى هانز ميرهوف , هذا الانسان الذي تتناهبه الساعات والثواني.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة