الأخبار العاجلة

نشوء الحكي..

تعد الأساطير من أولى المنظومات المعرفية التي رافقت مسيرة الإنسان ، منذ انبثاقه ونشأته في هذه الحياة ، عليه تعتبر الأساطير السجل البدائي لنشاط الناس ، من ناحية النظرة إلى العالم والمحيط وما يكتنفه من غموض وعدم معرفة .
أن الأساطير هي المرويات الوحيدة التي انتقلت بالإنسان من مصاف الآلهة من العليا ، في أثناء عملية الخلق الأولى بشكلها المعرفي و الانثروبولوجي والتي دونت طبيعة عملية الخلق لهذا الكون ودور الإنسان فيها ، من ناحية وجوده ومكانته بهذه المنظومة المعرفية ، ونقله إلى مصاف الآلهة الحكام ، تلك المرحلة التي امتدت طويلا ، من ما قبل التدوين والتي تعرفنا عليها من خلال سير تلك الأساطير ، رغم قلتها ، على ثقافة الشعوب ، لكنها على ارض الواقع كانت ، بنفس الوقت ، تجسد طبيعة نظام الحكم السائدة والتي تمثلت فعليا من خلال بدايات نشوء المدن ، كما لاحظنا ذلك في المدن التي قامت على جانبي وادي الرافدين في العراق والشام أو المدن التي أقيمت بجوار الأنهر .
هذه المدن ظلت مرتبطة بالقوى الغيبة ولم يستطيع أبناء المدينة في الاستفادة من ذلك بحياتهم ، مما أحال لان يصير الرب وسلطته بداخل المدينة إلى الحاكم المطلق ، خير مثال يساق بهذا الصدد هو شخصية كلكامش في الوركاء واغنامون لدى الإغريق ، بهذا الطريقة نشأت الطبقة الحاكمة ، التي تمسك بزمام الأوامر الالهة والحياة الدنيوية و هي الطبقة الارستقراطية التي ظل الحكي فيها بمعظمه قريبا من الأساطير أو الحكايات الغيبة ، حيث ظلت السلطة الدينية والمدنية بيد الحاكم ، الذي هو أبن الإله أو الناطق باسمه .
لم يكن عصر التدوين قد حان بعد ، حتى تخضع هذه الحكايات للمداولة أو النقاش من قبل العامة ، مما اكسبها صبغة التأصيل والقدسية ، بيد انه وبسبب اتساع المدينة وتعدد منابع الثقافة فيها واختلاف الألسن كان لابد من هبوط الحكي من علياه إلى العامة ليكون في متناول أبناء المدينة ، في وجهيه ، الحكي والسماع ، ليتم تداوله ، عبر مراحل طويلة من عمر البشرية وصولا إلى مرحلة التاريخ المدون والذي نشأ بشكله البدائي في بلاد ما بين النهرين ومن ثم اختراع الأبجدية الأولى، في اوغاريت ، فتم خضوعه إلى منطق القبول والرفض أولا والتمحيص والتغير ثانيا ، عند هذا المنعطف احتاج الناس إلى اختراع شيء معرفي ، يفي بغرض الحفظ ، فأنشأ فن القصة والرواية .
الشكل الفني للرواية لم ينضج ويتضح إلا بعد التخلص من عبء الأبطال الأساطير وحكايات الخوارق وذلك باستعانة الرواية بالبديل الشعبي ، الذي يمارس بداخل المدينة ، مثل الاحتفالات والأعياد والطقوس الشعبية للميلاد والأفراح والمناسبات.
حميد الربيعي

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة