«الأشجارُ لا تغادرُ أعشاشَها) لـ(سعد ياسين يوسف»

قراءةٌ نقديّةٌ (1-3)

أ. د. عبد الرضا عليّ

لا شكَّ أنَّ كتابةَ النصِّ المفتوح أو ما سُمِّي بـ ((قصيدة النثر)) تحتاج إلى وعيٍ خاصٍ ،لأنَّ هذه القصائد هي قصائدُ تأملٍ، في حين أنَّ الأيقاع َفي قصيدةِ الشطرينِ ، وقصيدةِ التفعيلةِ يُعين كثيراً على إدراكِ النصِّ وتدفقِ صورهِ، وفهمِ مغزاه ..
في النصِّ المفتوحِ لابدَّ أنْ يكونَ الشاعرُ أو صانعُ النصِّ قادراً على أن يقبضَ على جمرةِ النصِّ الشعريِّ، من غير أن تحترِقَ أناملهُ، كالظليم (( ذكر النعام)) الذي سبق أن أشرنا إليهِ مراراً ، فهذا المخلوقُ عندما يُستثارُ يزدردُ الجمرَ ازدراداً، ويبدو أنَّ العربَ انتبهتْ إليه، وأسمته بـ ((الظليم)) ، أي المظلوم، فهو حين يُستثارُ لا يؤذي أحداً غيرَ نفسه ، فقصيدةُ النثرِ ـ أيها الأصدقاء ـ تحتاجُ ظليماً قادراً على مسكِ جمرةِ النصِّ الشعريّ باقتدارٍ وتمكّنٍ، لأنِّنا وجدنا الكثيرين ممن يكتبونَ في هذا الشكل ، غيرَ مقتدرين، وليسوا متمكّنين، ونصوصَهم سطحيّة جداً، وعليهِ فهذه النصوص ليست هي التي ننتظرُها، ولذا نقولُ: إنَّ القابضينَ على جمرةِ النصِّ المفتوحِ قلَّةٌ، والشاعرُ سعد ياسين يوسف هو واحدٌ من هذه القلّةِ بامتياز.
في قراءتِنا النقديةِ للنصوصِ الإبداعيّةِ يجبُ أن نخدِمَ أطرافَ العمليّةِ النقديّةِ برمّتِها، وهذه الأطرافُ ثلاثة هي : القارئ (أو المتلقّي)، والمبدع (أو صاحب الأثر)، والأثر الإبداعي(النصّ)، سواءٌ أكانَ هذا الأثرُ شعراً أم نثراً.
فهو يخدم القارئ لأنه يوفرُ عليه الوقتَ بما يختارُ له من نصوصٍ جيّدةٍ يرشده إليها، ويدلّه على عناصر الجمال فيها، ليزدادَ فائدةً، ويحقّقَ المتعةَ المطلوبة، كذلك يخدمُ المبدع َ بتقريبهِ من القرّاء، فيشيرُ إلى مواطن التفرُّدِ في إبداعهِ، وما يتمتعُ به من اقتدار، وما يجب عليه تجاوزهُ من هناتٍ، أوعيوب، أمَّا خدمتهُ للعمل الإبداعيِّ، فتتمثلُ في كونِ الأحكام النقديةِ التي تصدرُ عن الناقدِ يجبُ أنْ تكونَ في صالحِ الأثرِ، وتجعل الآخرين يلتفتون إلى مكامنِ القوةِ فيه، فيطورونها في تجلياتهم القادمة، ويبتعدون عما يشينُ الإبداع َمن عيوبٍ أشار إليها الناقدُ، وطلبَ تجنبها، فضلاً عن إشادتهِ بالنصِّ إذا كان جليلاً مغايراً ،كي يعمِّقَ هذا المبدع ما انتهى إليه ،.. وهكذا تقدّمُ هذه العمليةُ النقديةُ خدمتها للقارئ، والشاعر، والنص .
حينَ قرأتُ مجموعة الشاعر سعد ياسين يوسف الموسومة بـ (( الأشجار لا تغادر أعشاشها )) لم أكنْ بصدد تحليل نصوصها واحداً تلو الآخر،أو تفسيرها، لكونها (كما أزعم) نصوصاً شفّافة ً لا تحتاج إلى كدِّ ذهنٍ،أو تنطّعٍ إنشائي، إنَّما أردتُ الإشارة إلى تقنياتٍ مهمة فيها، وأنْ أقف على بعض ما وجدته من تميز في اشتغالِ شاعرها على بعض الصور، والأفكار، وفلسفة النص، وقد تمثّل ذلك في الآتي :
1 ـ إرضاءُ الذاتِ الشاعرة : يميل الشاعرُ إلى إكمالِ الصورة مسترسلاً في الكثير من النصوص، فهو حينما يبدأ بقضية تحتاج إلى إجابة لا يعطي الجواب بعُجالةٍ، بل يكمل الصورة بصور متدفقةٍ أخرى بإلماح من الذات الشاعرة كما في قصيدة شجر القداس، ص23 :
((القُدّاسُ المُتواري
خلفَ تراتيلِ الفيروزِ المعقود ِ
على جيدِ الذَّاكرة ِ…
ووقعِ لآلئِ المطرِ المرتطمِ،
بأجنحةِ الطُّوفانِ
نحوَ سماءٍ ثامنةٍ
أنبتَ أشجارَ شموع ٍ ))
فقد اندفع الشاعر في تدفقه الشعري مابين الجملة الشعرية الأولى (القداس المتواري ) و ( أنبت أشجار شموع ) بدافع إحساسه الداخلي ـ لملء الفراغ ـ بتدفق صوريٍّ، وهذا الكلام هو إكمال للصور حينما تتداعى الجمل ((جملة تقود إلى أخرى)) ثم يجيء الجواب لإكمال الصورة المعنويّة كما ينبغي، وهو إرضاءٌ للذات الشاعرة الملحّةِ،وكما في ص 47 :
(يا نَورَسةَ الأسئلةِ
كلَّما أجهشَ البحرُ
لمْلمَ الصُّبحُ ناياتٍ مُهَشمةً
وأوغلَ في الغناءِ
أطلقتِ للريحِ جناحَ المغفرةِ
وابتنيتِ…
ألفَ سرابٍ
أو سلالمَ يرتقيها الراكضون
في شوارعِ اللهاثِ خلفَ الرغيفِ
ورَسمْتِ ،
مشهدَ الأفقِ…»

لم يقل: (( يا نَورَسةَ الأسئلةِ أطلقتِ للريحِ جناحَ المغفرةِ)) على نحوٍ مباشر، بل سعى إلى توظيف تدفق الصور؛ هذا التدفق الذي تطلبه الذات الشاعرة في الإبداع أحياناً يضطر الكاتب إلى التوسع في الجمل الشعرية أحياناً، وإلى الإيجاز في أحايين أخرى ، فالقرارُ (كما ألمعنا) للذات الشاعرة ليسَ غيرَ.
وفي قصيدته « ما تعسر من شجرة البحر» نجد هذا التدفق جلياً حينما يبدأ بوصف الغريق :
(يا أيّها المسكونُ بالصلواتِ )
ويواصل تدفقه الشعري ليقول :
( بالدمعِ بالتهجدِ ،
بابتهالاتِ العيونِ وهي
ترسمُكَ الموجةَ الأعلى
أمنيةً هدهدها البحرُ
على لمعانِ موجتهِ البعيدةِ )
ليصل إلى هذه الجملة الشعرية :
((وما كنتَ سوى زجاجةٍ
مختومةٍ بسرِ انطلاقتِها ))
فهي إكمالٌ للصورةِ ليس إلا.

2 ـ الاقتباس : معظم الشعراء يقتبسون، أو يضمِّنون، وللتوضيح نقول : الاقتباس هو أن يُضمِّنَ الشاعرُ أو السارد كلامه شيئاً من القران الكريم، أو الحديث النبويّ الشريف، وهذا الاقتباس على نحوينِ : إمّا اقتباسٌ نصيٌّ، أو اقتباسٌ إشاريٌّ .أما التضمين، فهو استعارةُ الشاعر شطراً، أو بيتاً من غيره . وعلى وفق هذا فهنالك فرق بين التضمين والاقتباس، وكثيراً ما التبس على بعضهم ، فظنّوا التضمين اقتباساً، ودراسة هذه الضروب الصناعيّة مهمة جداً لأنها ترشدنا إلى مصادر الشاعر، فنعرفها من خلال الاستقراء… ماذا قرأ ؟ بمن تأثر؟ ما مصادره ؟ هل كان يكتب جزافاً اعتماداً على الاستعداد من غيرِ الاهتمام بالاكتساب ؟ أم أن ثقافته توسَّعت نتيجة قراءات قرآنية، وشعريّة، وتاريخيّة ، إلى غيرها من مراجع معرفيّة مهمة.
في قصيدته ( شجرة الارتطام ) ص 71 ، ثمة اقتباسانِ إشاريَّان :
الأول «هززتها « يأخذك إلى سورة مريم في قولهِ تعالى: ((وهُزِّي إليكِ بجذعِ النخلةِ تُساقِطُ عليكِ رطباً جنيّاً …)) الآية 25 .

( يدُ المَخاوفِ حَولَنا … أفعى
تلقفُ ما تشاءُ
من آياتِ طَمْأنَتي لها
لاتَحْزَني :
لا تَحْزَني ….
هَززْتُها
لا تَحْزَني
غيرَ أن اللهَ ساعتَها
لم يكنْ مَعنا !!! )
و « لا تحزني « هي أيضا إشارة لسورة التوبة في الآية 40 :
((إِلَّا تَنصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثَانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُمَا فِي الْغَارِ إِذْ يَقُولُ لِصَاحِبِهِ لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَا فَأَنزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَأَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَّمْ تَرَوْهَا وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلَىٰ وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيَا وَاللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ.))
وفي قصيدته ((شجرة الأشواك)) ص93 نجد مثالا آخر على الاقتباس حيث يقول:

(ألقِ عصاكَ
ستلقفُ كلَّ من ألقى الحجارةَ
في عينِ بئرِك
كلَّ مَن … …
تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ……..)

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة