المحاصصة.. مأكولة مذمومة

بعد مشوار من التجاذبات والدقلات وتبادل المواقع بين الأطراف والكتل المتنفذة في المشهد الراهن؛ وبعد فصل جديد من الشتائم واللعنات تعرضت له مفردة “المحاصصة” ها هي تعود ظافرة شامخة مرة أخرى، بعد أن صوّت مجلس النوّاب على مرشّحيها لوزارتي الدفاع والداخلية وهي بانتظار من سيرشّحه السيد مسعود البرزاني لوزارة المالية، كي يكتمل نصاب الوزارات السيادية ليصل الدور لبقية الوزارات المستضعفة. إن حالنا مع المحاصصة ينطبق عليه قول الأعشى في معلقته: (كناطح صخرة يوما ليوهنها/ فلم يضرها وأوهى قرنه الوعل). إنها (المحاصصة) صلبة كصخرة الواقع الذي انحدرنا اليه بعد سلسلة من الهزائم الحضارية، وهي اليوم سبيل من لا سبيل له، ولن تجدي نفعاً محاولات التبرؤ منها وإلقاء اللوم على شماعتها، بعد كل جولة من الخيبات والفشل. المحاصصة ليست بنت مرحلة ما بعد زوال النظام المباد، كما هو سائد في مخيلات الكثير من المتابعين للعملية السياسية الحالية، بل إن جذورها تمتد الى عقود سابقة لذلك، لكنها برزت بوضوح بعد التغيير مع مجلس الحكم الذي كرسها كسبيل لا مناص منه لإدارة البلاد في ما يعرف بـ (المرحلة الانتقالية). وهي بذلك لا تستحق كل هذه اللعنات والأحقاد الموجهة اليها، لكونها تمثل واقعا موضوعيا يتطلب التعاطي معه بمسؤولية ووعي عميق.
صحيح هي (المحاصصة) تمثل واقع التشرذم وتكرسه في المشهد الراهن، لكنها واقعية بوصفها تعبيرا عن واقع الاصطفافات الفعلية ودرجة وعي شرائح المجتمع المختلفة لما يواجهها من تحديات. لا أحد بمقدوره إنكار حقيقة إعادة مواسم الاقتراع انتخاب القوائم المسؤولة عن كل هذا الاستقطاب الطائفي والإثني والفئوي، لذلك نجد ممثليها في مجلس النوّاب؛ حريصون على الاستعانة بها، تجسيدا لذلك الواقع الموضوعي الذي يمثلونه في أعلى سلطة تشريعية. مثل هذا الموقف من المشهد السياسي الراهن، لا يعني الاصطفاف مع هذا الواقع المر الذي أشرنا اليه، بقدر ما هو محاولة لفهمه وإدراكه بعيدا عن منهج الاستعراضات والمزاودات السائد في سلوك وخطابات وممارسات غالبية الكتل المتنفذة. إن فرصة التحرر من المحاصصة وفواتيرها، ما زالت بعيدة وتحتاج الى كثير من الجهد والنشاط والتحولات الجدية، التي لم تحصل بعد، لا سيما في المجال الفكري الذي استباحته مؤمياءات الماضي وثاراته الصدئة.
لقد كتبنا وحذّرنا مراراً وتكراراً من مغبة الهرولة خلف الشعارات منقطعة الجذور، والتحليق مع السقوف العليا لأوهام التغيير وبناء الدولة المدنية وحكومة التكنوقراط الافلاطونية وغير ذلك من هلوسات اليائسين من رحمة الله، غير أن كل ذلك تلاشى وسط صخب وعجاج المتنازعين على مواسم إعادة تقسيم أسلاب الغنيمة الأزلية. ما جرى من إعادة ترميم للكابينة الحكومية مؤخراً، يؤكد ما أشرنا اليه مراراً من براغماتية ممثلينا وإخلاصهم لمصالح مكوناتهم العليا. صحيح أنهم مولعون بترديد مفردات عابرة للمكونات والتشرذم وحريصون على وسم مفردة الوطنية في عنوان كتلهم وقوائمهم الانتخابية؛ لكنهم عند الشدائد ومفترق الطرق يعتصمون بعروة مكوناتهم وملاذاتهم المجربة، وفي هذا لا ذنب للمحاصصة التي تقدم نفسها كخشبة خلاص وسط طوفان التشرذم الذي نثرت بيوضه وسردياته منذ زمن بعيد..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة