فريسكا

علياء البنهاوي

رياح يناير تضرب وجهى المقابل لهواء البحر .. الأفكار تفترس رأسي ..
نظرت فى ساعة يدى ، العقارب تتقدم .. ولم يأت .
تأخر .. لماذا تأخر .. سوف ألتمس له كل الأعذار وأبررها .. فتلك المرة ، أريده حقاً .. سوف أطلب منه أن يفعل .
الشاطئ هادئ .. رصيف البحر شبه خال .. بعض المارة يصوبون نظراتهم التي تحمل اتهامات وتساؤلات كثيرة , الصبى الصغير ذو القبعة البنية ، يحمل الصندوق وينادى
– فريسكا .
مال ناحيتي وأطال النداء
– فريسكا .
انكمشت داخل سترتى الصوفية فتنحى بعيداً .
الشك يتسللنى وكأن الاتهامات أصبحت حقيقة مؤكدة .
تلفَّت َّحولي .. رجل ممدد على المقعد .. مستغرقاً في النوم .. هرة صغيرة تلعق قدمه وحذاءه , رجل آخر يقارب الأربعين ، أمامه لوحة وألوان .. يتأملني كثيراً, لم أكترث .. أدرت وجهى إلى البحر .. شردت لحظات طويلة .. أعدت النظر الى الرجل خلسة لكنه فاجأني وأكتشف خِلْستى وهو يبادلُ نظره بيني وبين اللوحة ..
ملامحه غريبة حقاً.. رأسه كبيرة .. شعره الأشيب المعدود .. جبهته العريضة غير المنتظمة .. عيونه الغائرة .. وتلك الابتسامة التي تلف وجه دون تفسير .
مازال يُعلق عينيه علىّ وكأنه اكتشف كلَّ مخابئى .
مرة أخرى يأخذني البحر .. منحته وجهى وأعطيت ظهري للدنيا ، شعرت بصدى خطواته تقترب .. أعرف وقعها المتناسق تماماً .. اطمأننت لدفء ذراعه تلفني .. نظر في عيني.. فهمت ما يريده .
سألته :
– أين هي ؟!!
– على بعد خطوات من الرصيف الآخر .
لم أتردد .. سرت بجواره .. عبرنا الطريق .. صعدنا .. مازال محتضناً يدى ..
فتح الباب ودخلت خلفه .. ترك يدى .. عانقته بحرارة .. تلصصت بنظراتي المضطربة .. سرير في نهاية الحجرة المتربة .. شعرت بالرهبة .. هربت النشوة واحتلني الجمود .
سحبني برفق .. حاول معي مراراً .. صرخت بكل طاقتي.
– ما زلت عذراء
أفقت على صوت الصبى يحمل الصندوق .. يصرخ في أذني :
– فريسكا .
نظرت إليه مرتعشة .. غمز بعينيه وأطال :
– فريسكا !
المشهد كما هو .. الهرة .. الرجل النائم .. عيونه الغائرة ، لكن يده توقفتْ عن اللوحة ، هرولت ُ في السير .. أرسل نظراتي المرتبكة في كل اتجاه .. وقعت عيناي عليها داخل لوحته ، منكمشة داخل سترتها الصوفية.. تحتضن حقيبة يدها .. وتهرول في ارتباك.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة