الأخبار العاجلة

قراءة في رواية( أزمنة الدم) للروائي جهاد مجيد

السرد بين تقويض الواقع وتطويع الذات
د. نادية هناوي

يشير رايموند وليمز في مقاله( الواقعية والرواية المعاصرة) ضمن كتاب(الوحدات السردية للخطاب) إلى أن الواقعية هي هذا التوتر الحي الذي يتحقق عبر شكل غير قابل للتوصيل وأن منجز الواقعية هو منجز متواصل للتوازن والواقعية الجديدة أمر ضروري إذا شئنا أن نظل مبدعين.
وقد تكون الواقعية الجديدة تقويضا للواقعية التقليدية متجهة بها نحو الاستيهام فيغدو الزمن متداخلا بالمكان وتصبح الذات نهبا للتشظي الناتج من تضعضع الواقع بالوهم مع غلبة التشكيك في الأشياء التي تبدو ظاهريا كأنها موجودة ولا موجودة متشيئة ولا متشيئة ويظل الخادع الأكبر للقارئ هو التعاطي الديالكتيكي مع ثنائية الواقع/ الحلم بالمكاشفة والتشكيك بقصدية بلوغ الحقيقة.
وهو ما جسدته رواية( أزمنة الدم) للروائي جهاد مجيد والصادرة في بيروت عام 2016 إذ تأخذ المفارقة الزمنية صيغة الاسترجاع على شكل حلم فيتداعى التاريخ القديم في ذهن السارد/ المرشد الاثاري مع تداعي حركة الزوار في المكان، ثم تنقلب الأحداث مشوشة خط السرد الاسترجاعي بسرد استباقي تظهر فيه شخصية ايسول كاهن المعبد الميزوبوتامي وهو يخاتل السارد بين الفينة والأخرى ليبدو بلحم ودم في هيأة شبيهة بهيأة عداي الخليف الشخصية التي تشارك السارد المكان نفسه» سيبطئ سيره ويقف عندها يطرق الباب ثم يصحبني الى المعبد ثم الى المنبر ودكة المذبح فمدافن الصبايا الأضاحي إلى مطامير ناشيبال» الرواية ص20
وكانجاز تداولي يتم التقويض الواقعي لا بالسلاسل السردية المعتادة في الرواية الواقعية بل بجعل المكان/ الصرح الاثاري هو الوسيط الفعال الذي يوجه الحكي داخل النص .. وما تشظي الزمن إلا انعكاس واقعي لهيمنة المكان جيئة وذهابا فيبدأ القص من زمن راهن حاضر حيث المرشد الاثاري فاعل مركزي يسرد الاحداث بتبئير ذاتي» مسكني غرفة ملحقة بكازينو مهجورة لمنامي ولإدارة المرفق الاثاري الذي أتحسس أجزاءه المتجاورة والمتباعدة جزءا جزءا صخوره السامقة أو الواطئة صخرة صخرة» الرواية ص6ـ7
لتتناسل مقصية الواقع السردي بواقعية سردية افتراضية لقصة تغور لحظتها الزمنية في الماضي السحيق ثم يقطع هذا القص قص جديد يولد من رحم الماضي القريب أو يستند إلى حضورية الواقع المعيش.
وقد أتاح هذا التكنيك مزج العناصر السردية في بوتقة نصية لغوية واحدة يتخللها التناص بأنواعه الشعري والتاريخي والجغرافي فضلا عن الإحالات التي تضمنتها الهوامش.
وتتوالى المشاهد الدرامية والصور السردية وتتصاعد نزعة الشك في وعي السارد عبر كم الأسئلة التي يطرحها السارد على ايسول كاهن المعبد وتتمحور أسئلته حول الزمن: هل هو وقائعي مرتب بمنطقية التوثيق التاريخي ؟!! أو قوله:» إن خفيت عنا الحقائق لبعدنا عنها فلم خفيت عليكم وانتم معاصروها؟ ص25
ليتبين للسارد أن التشويه والتزييف كان قد عرفه السابقون مثلما عرفه اللاحقون وكيف ان الصبايا القرابين كن يخضعن طائعات لسطوة ادبون ناشيبال الذي تمكن بالخديعة من القبض على ايسولا وسالار الزعيم الشعبي..
ويعود السارد من الحلم الى الواقع ويشاهد الموكب الملوكي فتتولد واقعية درامية تعتمد الفعل المضارع عبر تعاقب ضميري الأنا والمتكلمين ليأخذ خط السرد بالتصاعد من خلال التداعي الحلمي لا للتاريخ بل للذاكرة التي تستحضر مشاهدها من زمن حي هو جزء من التاريخ المعاصر عائدة إلى الحرب العراقية الإيرانية حيث السارد جندي يواجه مع رفاقه النيران المعادية..
وتكون المفارقة الفنية أن أرض الصرح الاثاري هي نفسها ارض المعركة التي تجري بالقسوة نفسها التي كانت تجري فيها معارك ادبون ناشيبال وغزواته وهذا ما يعزز مركزية المكان ليغدو بؤرة سردية وظيفتها تهشيم الزمن وتحويله إلى مجرد تابع لها في الرواية.
ثم تتحرك الأحداث منكفئة من زمن الحرب صوب زمن ميزوبوتاميا وشاعرها اليمار الذي كان مشهد الحكم عليه بالاعدام مريرا» فما اسرع انطلاقة الحرس اليه بهجوم عنيف منظم على الشاعر، كتفوه فسقطت الجائزة عند اقدامهم ثم تدحرجت عند اقدام الملكة ..ليتوارى الشاعر في مكان ظل مجهولا لا يعرفه الا ناشيبال ورئيس شرطته السرية شمدان لوكازيري»ص48
وكاشتغال ميتاسردي توثيقي يحيل الروائي في الهامش على مصدر البيتين الشعريين اللذين حواها المتن وكانا سببا في المصير الدامي الذي واجهه ذلك الشاعر على يد ناشيببال.
ويتضاءل حضور السارد ليقتصر دوره على المراقبة ويحل السرد الموضوعي محل السرد الذاتي ويظل توظيف الحلم طاغيا على السرد.
وتمتزج الصور السردية بمقاطع وصفية بعضها تزييني يدور حول مجوهرات الملكة ومصوغاتها وبعضها الآخر تفسيري توضيحي.. ولا تغادر ديالكيتيكة التساؤل السرد الموضوعي أيضا» أين القلادة الأفعى؟ هذه قلادة بطباقة في نهايتها وأخرى معقوفة النهايتين أين القلادة الأفعى؟ « ص52
ويتحول السرد من ضمير الغياب إلى ضمير الخطاب في ما يشبه العتاب والمحاكمة التي يوجهها السارد للملكة التي ارتضت تقديم ابنتها قربانا لناشيبال.. ليعود مجددا إلى الزمن الحاضر موثقا المتن يهامش من كتاب( سجلات ميزوبوتاميا القديمة) الذي ألفه شاكر زميل السارد وصديقه كاشتغال ميتاسردي يعزز المكان( الصرح الاثاري) بوصفه بؤرة سردية أولا ويوهم القارئ بواقعيته آخرا ولاسيما ما يتعلق بالسجن الصحراوي ومأموره صاحب الصوت الأجش.
ويمنح الزمن امتدادا شاقوليا يحفر في العمق اتساعا في فصول ( الأشباه/ حزقيال/ استدعاء/ مخدع ايمونا/ مخدع شبلا/ مصرع ايسولا) فتتهشم نسقية الزمن السردي الأول لينطلق زمن آخر حتى نصبح كأننا في آلة الزمن تتأرجح دوما لتنكفيء عائدة بنا إلى الماضي الغابر والسحيق وتارة أخرى تقذفنا صوب الحاضر الاني وقد تسير بنا حاثة خطاها صوب مستقبل قادم.
وعلى الرغم من امتداد الزمن الشاقولي بالحفر والارتقاء إلا إن بنية المكان تظل هي البؤرة السردية المراوحة في ثباتها بامتداد أفقي واحد وقار تتابعت عليه الحيوات وتناسلت» ليبقى وحيدا ينادم العصور» ص6
ويؤدي هذا التأرجح إلى تشظي البنية الزمنية في الرواية إلى أزمنة تتوالى على المكان/الصرح وآخر تلك الأزمنة هو الذي لا يكون فيه المرشد الاثاري ساردا مشاركا او مراقبا او بطلا بل ساردا شاهدا لا يستدعي تاريخا عن ماض غابر ولا ذاكرة عن ماض قريب او بعيد ولا عن حاضر معيش بل هو هنا شاهد عيان لا يحلم بل يوثق من خلال الكتاب الذي أودعه شاكر عنده وتستدرجه الاية القرانية وقصيدة النثر وتجذبا انتباهه ليتحلى بالشجاعة ويغالب الحلم مواجها الواقع المظلم بفنتازية باستعمال تقنية سينمائية تفقوم على المنتجة المكانية» كبرت صورتهم اكثر وكبرت حجومهم في اطارها وكأن اجسادهم تزاحمت لتنحشر على اديمها المستطيل تقفز الصورة الى الخلف عدة قفزات الاحقها تصعد الدكة في اقصى البهو تطل من اطارها الرؤوس المتمايلة والافواه المنفرجة والاسنان المكشرة»الرواية ص 141
فتتماهى وجوه الشخصيات الظالمة( ناشيبال والشيخ سهيل الغضبان ومأمور السجن الصحراوي) في شكل رؤوس متلاصقة وهم يقولون:» جئت برجلك يا أستاذ» 140
وبلقطة درامية فنتازية يشهر السارد بوجههم السلاح ليجد أن الرؤوس تتمايل داخل إطار مستطيل ..وكأن هذه هي خاتمة الخواتيم لكن الفصل الذي يأتي يخيب أفق الانتظار حاملا العنوان(داخل المتن وخارجه إشارات) موهما القارئ أن ذلك جزء لا علاقة له بالرواية وأحداثها وانه عبارة عن فصل مقطوع عن الفصول السابقة أو انه بمثابة هوامش أو إحالات توضيحية للفصول السابقة..
والحقيقة خلاف ذلك تماما إذ هو فصل مكمل للفصول السابقة ومتمم لها زمانيا ومكانيا والاشارات الست هي كولاجات او ملصقات موثوقة بالشهادات والمشاهدات الحية تستدعى من واقع حاضر لتؤكد نزعة الاشتغال الايهامي للواقع وتتعامد الشخصيات مع بعضها بعضا داخل البؤرة المكانية الواحدة
وبتبني الاشارات واقعيتها على انقاض وقائع تم تهشيمها وتقويضها وهكذا يتعزز على انقاض الواقعية التقليدية واقعية جديدة تشتغل فيها الذاكرة والتاريخ والحلم مع بعضها بعضا فأما التاريخ فيستدعى بعصوره كلها الغابرة السحيقة والبعيدة والقريبة ليكون حاضرا باستيهامية واما الذاكرة فتتداعى عن حاضر منصرم أو راهن معيش بسيكولوجية الوعي الجمعي والفردي وأما الحلم فتنتجه مخيلة المبدع الحرة في التحليق بشاعرية وفنتازية
وهذا هو ما تسعى إليه الرواية التجريبية التي يطلق ميشيل ريمون على كتّابها اسم الروائيين الجدد أي الروائيين الذين شرعوا في تجديد الفن الروائي والذين يشتركون في عملهم المنظم في العثور على أشكال جديدة رافضين الأشكال الماضية.
وما هذا التعاضد السردي داخل الرواية متنا وهامشا إلا إعلان عن توحد الذات في المكان الذي بدا كمتاهة يفضي ارتيادها إلى مغامرة ولا مناص للقارئ من أن يسهم في هذه المغامرة شاء أم أبى إذ أن عليه أن يفك شفرات شخصياتها ويوصل أطراف أزمنتها ويلم شتات أحداثها ليظفر بالمسافة الجمالية للمقصد الذي لن يكون مناله سهلا لكنه أيضا ليس عسيرا.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة