الأخبار العاجلة

ما بين الجمهورية الأميركية وجمهورية فايمار ..!

حسن خضر
ينشر بالاتفاق مع صحيفة الأيام الفلسطينية.
ما لم ينجح الأميركيون في طرد دونالد ترامب من البيت الأبيض، فإن ترامب سينجح في طرد الديمقراطية من بلادهم. وإذا لم تكن لدى المعنيين بالشأن العام في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي، سابقة يمكن القياس عليها، فإن في العقدين المذكورين ما يمكنهم، الآن، من المقارنة بين صعود النازية في ألمانيا، وصعود ترامب في أميركا.
«ألمانيا فوق الجميع» كان شعار النازي، ولا يحتاج مَنْ راقب حملة ترامب الانتخابية، وسمع خطابه الرئاسي الأوّل، إلى أكثر من وضع أميركا بدل ألمانيا، في شعار كهذا، لإدراك معنى ومبنى ظاهرة ترامب في الولايات المتحدة. صعد النازي إلى سدة الحكم في انتخابات ديمقراطية، وكذلك فعل ترامب.
وعد النازي ناخبيه بتحريرهم من عار الهزيمة في الحرب العالمية الأولى، وإخراج البلاد من أزمتها الاقتصادية، واستعادة مجدها. وترامب يعد فقراء الأميركيين، والبيض الغاضبين، والقوميين المجروحين منذ فيتنام حتى الآن، بتحريرهم من عار الحروب الفاشلة، والعودة إلى قمة العالم. وجد النازي في اليهود عدواً داخلياً وخارجياً، وحمّله مسؤولية ما أصاب البلاد والعباد من سوء، ويجد ترامب، اليوم، في المهاجرين والمسلمين عدواً داخلياً وخارجياً يتحمل مسؤولية ما أصاب البلاد والعباد من سوء.
ومع ذلك، يصعب وصف ترامب بالنازي. فنظريات التفوّق العرقي لم تعد سلعة صالحة للتبادل في عالم اليوم. وكذلك الأمر (في الغرب) بالنسبة لعبادة الدولة، والحزب، والزعيم الأوحد. والواقع أن اليمين الأميركي، ليس ضد المؤسسة و»الحكومة الكبيرة» وحسب، ولكنه مع أقل قدر ممكن، أيضاً، من تدخل الدولة في شؤون السوق والمجتمع والفرد.
وإذا كان في وصف ترامب بالنازي ما يبدو مصادرة على المطلوب، فإن في استعادة ذكرى وذاكرة صعود النازي، ما يبرر العثور، في الظاهرة الترامبية، على صاعق يكفي لإشعال البارود، وفتح صندوق باندورا الرهيب، الذي لن تتجلى حقيقته، وخطورته، إلا في سياق تحليل معنى ومبنى الشعبوية. ومن المفيد، في هذا الشأن، الإشارة إلى خلاصة جاءت في كتاب صغير الحجم، وكبير الفائدة، للألماني جان فيرنر موللر، أستاذ العلوم السياسية في جامعة برنستون الأميركية، بعنوان «ما هي الشعبوية» (2016).
خلاصة موللر أن الديمقراطية أصبحت أيديولوجيا سائدة بعد نهاية الحرب الباردة، ولا توجد أيديولوجيات في عالم اليوم قادرة على تحديها ومنافستها. ولكن الخطر الأكبر الذي يتهدد الديمقراطية يأتي من داخلها، وينذر بتحويلها إلى كيان أجوف. يتجلى هذا الخطر في الشعبوية، التي تستعمل لغة الديمقراطية، وتتبنى (لفظياً في الأقل) قيمها، وتحتكم إلى تقاليدها الانتخابية، للفوز بالسلطة.
لا يرى موللر أن زعم النطق باسم الشعب، وتمثيله، من السمات الحاسمة للشعبوية، فالأنظمة الشمولية والديمقراطية، على حد سواء، تزعم النطق باسم الشعب وتمثيله. والشعبوية لا تنحصر في معسكر أيديولوجي من دون غيره، ويمكن أن تكون يمينية أو يسارية. فالسمة الأهم، في نظره، هي الذهاب في زعم تمثيل الشعب إلى حد رفض الاعتراف بالتعددية، وتجريد المعارضين من الحق الأخلاقي والسياسي في الاختلاف والمعارضة. وهذا، في الواقع، ما يتجلى في السلوك الشخصي والسياسي، لدونالد ترامب. فالشخص الذي شكّل حكومة من أصحاب الملايين، لأوّل مرّة في تاريخ الولايات المتحدة، وتباهى بشطارته في التحايل على النظام الضريبي، وغزواته النسائية، وشخّص علّة البلاد في المهاجرين والمسلمين، وتعهّد بفرض «الخاوة» على الحلفاء مقابل الحماية، قال للأميركيين في بداية حملته الانتخابية: «أنا الوحيد القادر على حل مشكلاتكم»، وقال للأميركيين، في خطابه الرئاسي الأوّل: إن السلطة لا تنتقل، اليوم، من رئيس إلى رئيس آخر، بل تنتقل إلى «الشعب» الأميركي.
هذا الشخص، الذي يضفي على نفسه صفات خارقة، ويخدع الأميركيين بتحويلهم إلى «شعب» فوق الطبقات، والأيديولوجيات، والمهن، والمصالح، والسوق، والأعراق، والثقافات، لا يوحي بالطمأنينة أو الثقة. وهذا القدر من النرجسية (معطوفة على جهل فاضح بشؤون العالم)، والتضليل الأيديولوجي، هو ما يجعل من ظاهرة ترامب مرشحاً طبيعياً لكل التجليات المُحتملة لتجريد الخصوم والمعارضين من الجدارة الأخلاقية والسياسية في الاختلاف والمعارضة.
أخيراً، ولكي لا يختلط الأمر على القارئ العربي، فلنتذكّر في معرض الإشارة إلى موللر، أن الأخير يتكلم عن الشعبوية، وفي ذهنه انموذج الديمقراطيات الليبرالية الغربية. وهذا التنبيه ضروري، فالعربي نشأ في ظل أنظمة تزعم تمثيل الشعب والنطق باسمه (والأقل احتراماً بينها للذكاء الإنساني تزعم النيابة عن الله وتحكم باسمه)، وتجرّد الخصوم من الحق الأخلاقي والسياسي في الاختلاف والمعارضة (وأحياناً من الحق في الحياة)، وفي أفضل الأحوال تفصّل هذا الحق على قياسها وبشروطها. الوضع مختلف في الديمقراطيات الليبرالية الغربية، لذا يندرج الكلام عن هذا الحق، وما يجابه من مخاطر، في باب الظاهرة السياسية الجديدة المقترنة بصعود اليمين الأوروبي والأميركي.
وأخيراً، أيضاً، ثمة أكثر من أميركا في أميركا: مجتمع مدني عريض ومديد، ومنابر إعلامية وأكاديمية، وتقاليد راسخة للديمقراطية، والتعددية السياسية، تقاوم العنصرية وكراهية الأجنبي والغريب. وضوابط دستورية للحيلولة دون هيمنة مركز للقوّة على آخر، و»دولة عميقة» (التعبير الذي شاع مؤخراً في لغة السياسة العربية). والدولة الأميركية عميقة، فعلاً، بمركباتها الاقتصادية والعسكرية والأمنية والسياسية، وفيها ما يكفي من الخبرة والكفاءة لمعرفة وتعريف مخاطر الجنوح النرجسي لملياردير يسكن البيت الأبيض، ويُغرّد يومياً على أغصان «تويتر». وهل يحتاج الأمر إلى سوداوية من نوع خاص إذا نظر شخص ما إلى الجمهورية الأميركية في العام 2017، وعاد بالذاكرة إلى جمهورية فايمار في العام 1933؟

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة