استقلال إقليم كردستان بين الشخصنة والانفرادية

جرجيس كوليزادة
ينشر بالتزامن في «ايلاف» اللندنية و «الصباح الجديد» البغدادية
منذ فترة تخرج تصريحات غير حكيمة ولا تتسم بالمنطق والحكمة من كبار بعض المسؤولين في الاقليم وكأن الامر ناتجً عن غرورية مطلقة وانفرادية غير رشيدة بدأت تستقر في نفوسهم نتيجة التمادي في جورهم وفساد حكمهم بالاقليم، وانطلاقاً من هذا الواقع غير العقلاني بدأنا نسمع تصريحات لا تتسم حتى بالمسؤولية القيادية، وهكذا بالأمس نجد أن رئيس الاقليم المنتهية ولايته يصرح لقناة كردية تعود ملكيتها ورئاستها لنائب رئيس حزب حاكم، قائلا بشأن الازمات الداخلية في اقليم كردستان: إن «الازمة الحالية في اقليم كردستان من صناعة الاحزاب السياسية ولا أؤمن بمصطلح الأحزاب الخمسة الرئيسية في كردستان حيث يجب أن تشمل المباحثات جميع الأطراف»، مضيفاً «قدمت مبادرة للأحزاب السياسية لحل الأزمة واذا لم تستجب لها سأقوم باتخاذ خطوات أخرى» ، والاخبار تشير الى اجتماعات متواصلة بين الحزبين الحاكمين الديمقراطي الكردستاني مع الاتحاد الوطني لتشكيل رئاسات جديدة للرئاسة والبرلمان والحكومة على وفق اتفاق جديد شبيه بالاتفاق السابق بينهما على اساس المناصفة، وهذا يعيد الامور برمتها الىى خانة المربع الاول وكأن المبادرة المقدمة للتخلي عن الرئاسة لا وجود لها، والتفاوض مع الاحزاب لا حاجة لها، وسيظل الرئيس المنتهية ولايته رغماً عن الاحزاب ورغماً عن ارادة الشعب بالتغيير والاصلاح رئيسا للاقليم.
واليوم يعود الرئيس المنتهية ولايته ويعبر عن موقف سياسي آخر غير حكيم وغير متزن تماما من خلال ربط استقلال الاقليم بشخص معين وهو رئيس الوزراء السابق نوري المالكي وكأن مقاليد امر الاستقلال ليس بيد احد الا هو تعبيرا عن شخصنة واننفرادية تامة بمسألة مصيرية تهم جميع الاحزاب وكل افراد الشعب الكردي، فعن موقفه في حال عودة المالكي قال لجريدة الشرق الاوسط: «سأعلن استقلال كردستان وفي اللحظة التي يتولى فيها المالكي رئاسة الوزراء وليكن ما يكون ومن دون الرجوع إلى أحد… لا يمكن أن أقبل البقاء في عراق يحكمه المالكي».
ويبدو ان اسباباً كثيرة تدفع بالرئيس المنتهية ولايته الى الخروج عن المألوف والمنطق السياسي لاعلان تصريحات نارية لا تشم منها غير نار الخلاف والافتراق السلبي لتبقى نيران الابتعاد مشتعلة الى يوم تلتهب فيه لتأكل الاخضر واليابس بين الاقليم والعراق، كل ذلك بسب الغرور السياسي غير العقلاني والتمادي في الانفرادية التامة والدكتاتورية المطلقة.
ولا شك ان أسباب الغرور والانفرادية كثيرة منها: الأول هو التمادي الهائل في واقع الفساد الرهيب المفروض من قبل السلطة الحاكمة على شعب الاقليم وقبول الاخير بهذا الواقع المرير من دون ابداء موقف وطني عام ضد اركان الفساد للحكم وعلى رأس السلطة الرئاسة والحكومة والحزبين الحاكمين، والثاني هو سكوت الاحزاب عن واقع الفساد المتفشي طوال عقدين ونصف العقد من الزمن الرديء وكأن الامر لا حول ولا قوة الا لارباب الشياطين وهذا ما حدا بالحزب الحاكم ان يسيطر طوال عقود على كل مفاصل النفط والاقتصاد والتجارة والمال والحكومة ويمتلك الجرأة لينهب كل ثروات واموال وممتلكات االشعب دون مثقال ذرة من الوجدان، والثالث هو الاستقطاب االاقليمي الذي جعل من الحزب الحاكم في الاقليم ورئيسه سلطة استبداد لا تعرف نهجا سليما للنظام الديمقراطي ولا تحسب للاحزاب الاخرى أي قيمة ولا أي اعتبار.
ولهذا نجد ان الفرض الانفرادي على السلطة بات أمراً مسلما به في الواقع السياسي الكردستاني، وكذلك نجد ان فرض النهج الدكتاتوري على الحكم بات ايضاً امراً مسلماً به في واقع نظام الحكم، ونتيجة هذا الوافع المفروض بالفوة والاستبداد نجد ان مفاتيح كل الملفات السياسية والامنية والعسكرية والاقتصادية والنفطية والتجارية باتت بيد الحزب الحاكم في الاقليم و بيد الرئيس اللاقانوني وبيد قريبه رئيس الحكومة الكردية.
ولم تقف حدود انفرادية ودكتاتورية الرئيس الحاكم مرتبطة بواقع الاقليم فقط، بل امتدت لترتبط بواقع الحكومة الاتحادية، فعندما يسأل عن إمكان العودة إلى العراق السابق الموحد يقول االرئيس المنتهية ولايته : «صعب، صعب جدًا»، وهذا يعني غياب النوايا الجادة في التوصل الى اتفاق استراتيجي يخدم الطرفين الاقليم والعراق في آن واحد، وان كان بالتواصل معًا او بالافتراق الايجابي، ولو يبدو ان الاتجاه العام بين اربيل وبغداد يسير نحو الابتعاد عن البعض لان الأعباء الاقتصادية والازمات المالية المترتبة على الطرفين لا تساعد في ابداء المساعدة للاخر ولا تقدر على التدخل لانهائها، ولهذا فان الفراق حاصل عاجلا او آجلا، ولكن ان يتم باتفاق استراتيجي يخدم الجارين مستقبلا لهو أفضل ويمكن احتسابه من الخطوات البناءة الجادة لارساء حوار وسلام وعلاقة مستديمة بين الاقليم والعراق لضمان جيرة التعايش بين الشعبين وبين اجيالهما اللاحقة، وهنا لابد ان نعترف ونقر ان ارساء هذا النوع من العلاقة والحل الاستراتيجي بين اربيل وبغداد لا يتطلب شخوصاً قيادية تتسم بالانفرادية والدكتاتورية والمزاجية والغرور السياسي، بل تحتاج الى قيادة مغايرة تتسم رجالها بالحكمة والرزانة والمسؤولية العالية والعقل اللبيب والرؤية البصيرة وتواضع العقلاء، ومن باب الاسترشاد والفصل والحسم في الامور المصيرية نجد قد حان الوقت لشعبنا الكردي ان يقول كلمته وان لا يسمح بزمن آخر للنفوس التي تحكم بالمزاجية والغرور والتكبر والدكتاتورية والانفرادية المقيتة، وان يقرر اجراء انتخابات برلمانية مبكرة بعد تحرير الموصل مباشرة لكي يختار نخبة سياسية جديدة متسمة بالعقلانية والمسؤولية والنزاهة والعدالة وتعمل على ضمان العبور الآمن للاقليم وشعبه المنخور بجسده وبقلبه لايصاله الى بر الأمان، ومن أجل تحقيق هذا الهدف الانساني النبيل لابد للقيد ان ينكسر من قبل الشعب الكردي الصامد.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة