العطب الثقافي العربي

هل يحتاج العنف الى نص تاريخي أو ثقافي يبرره؟ هذا السؤال الذي طرحه أدونيس يعكس اشكالية خطيرة، ووعي ملتبّس يثير المزيد من الأسئلة حول ما يجري في ثقافتنا العربية.
فما يحدث اليوم في وقائعنا الثقافية يستدعي رؤية واضحة لهوية هذا العنف وأسبابه، فضلا عن الحاجة لفهم وتدارك ما يحيطه من تعقيدات، ومن أزمات، إذ نجد أنفسنا-اليوم- أمام مهيمنات سياسية وتاريخية ضاغطة، والى نصوص جائرة لها لبوس القوة، ولها أسانيد فقهية تضع السؤال الثقافي في سياق(الهرطقة) واتهام المثقفين بالخروج عن فقه الأمة، وولاية الأمر، وبالتالي وضع القيود على أي خطابٍ ثقافي يمكنه أنْ يتبنى فاعلية السجال، والتحليل، ومواجهة اشكاليات تداول مفاهيم مثل النقل والعقل والحرية والشرع والدولة والأمة دونما إكراهات، حيث باتت هذه المفاهيم مُحددة في إطار فهمٍ معين، لا تأثير لها على مستوى فاعليات الواقع الاجتماعي والتربوي والحقوقي والاعلامي، وحتى السياسي، فالكثير من معطيات هذا الواقع تعكس طبيعة الأزمات المتراكمة، ورثاثة الخطاب الثقافي وتهميشه، وبما يُسهم في تضخيم الخطاب السياسي السلطوي، والخطاب الأيديولوجي، وحتى الخطاب الفقهي ليكون هو التهويم العنفي والتقديسي لظاهرة(الحاكمية) التي تحدث عنها الموردوي وسيد قطب، وهما جزء من ظاهرة صناعة الفكر العنفي، وتعطيل الوظيفة التحليلية للخطاب الثقافي..
نقد هذا الخطاب هو عتبة لمواجهة الأزمة، وتعرية خطلها التاريخي والثقافي، وإذا كان أصحاب مشروع نقد العقل العربي والاسلامي مثل محمد عابد الجابري وجورج طرابيشي ومحمد اركون وهشام جعيط وعبد الجبار الرفاعي وغيرهم قد وضعوا تصورا عن الطبيعة الاشكالية لهذا العقل، فإن ضعف امكاناته في مواجهة السلطة والجماعة، ستكون مصدرا لتعطيل وتهميش خطاب الاصلاح والتنوير، وافقاده القدرة على أنْ يتحول الى قوة نظيرة، أو حتى الى عمل مؤسسي له استحقاقاته الصيانية، وبرنامجه الواضح..
كما أنّ تضخم الظاهرة السياسية الجماعتية، لاسيما بعد ما سمّي ب(الربيع العربي) وبروز ظاهرة الارهاب التكفيري أصبحت من أكثر ما يُهدد الدولة الحديثة، ويقطع الطريق على نشوئها، إذ إنّ الجماعات المُسلّحة والمؤدلجة فرضت خطابها العدائي والعُصابي، وجاهرت بأدلجتها وقوتها، لتقترح فهما تاريخيا نقليا غائما لمفهوم الدولة، ولهوية الجماعات التي يمكنها الانخراط في تحديد شروطها التاريخية، لذا تحوّل الصراع الى ما يشبه المتاهة، الى المزيد من الرثاثة الوطنية والقومية مقابل غلو الجماعات العنفية التكفيرية..
العطب الثقافي يكشف في الجوهر عن العطب التاريخي للدولة، وللأفكار وتدوالها، وبما يعكس ضعف الانتلجنسيا العربية من أنْ تمارس نقدا وجوديا وحقيقيا لمحنة الخطاب الثقافي، فضلا عن نقد خطاب السلطة، ولعل تحوّل البعض من المثقفين الى(حُرّاس ايديولوجيين) لهذه السلطة يؤكد خطورة هذا العطب، وغياب أي شكلٍ أو ممارسة حقيقية للسجال والجدل الثقافيين، حيث يمكن لهذا السجال العلني أنْ يكون نوعا من عمليات فضح محنة العقل العربي، عقل السلطة، والجماعة، وربما العقل الثقافي ذاته المسكون بفكرة التابع والخائف والعاطل عن صناعة الأسئلة..
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة