عن الحداثة والعلمانية

بعد تصدّع وانهيار الأنظمة السياسية لما يطلق عليه بـ (مرحلة التحرر الوطني) وصعود كتل وتيارات (الإسلام السياسي) من شتى اليافطات والعناوين؛ راجت بنحوٍ كبير بين الجموع والنخب مقولة؛ دعوا الإسلاميين يجربون حظهم بعد فشل التجارب الحداثوية والعلمانية..؟!
لكن السؤال الذي ينبغي الإجابة عليه؛ هو هل شهدت مضاربنا المنحوسة مثل هذه التجارب الحداثوية والعلمانية، وعلى أية بنية تحتية وفكرية وحضارية استندت..؟
واقعنا شديد التخلّف والمستند لأكثر من ألف عام وعام من السبات يدحض كل هذه المقولات عن وجود وإخفاق مثل تلك التجارب. وهي لا تعدو أن تكون حلقة من سلسلة الأكاذيب التي تجيد إعادة تدويرها حشود ونخب هذه المجتمعات. لا شيء سوى الكذب والمزيد منه، كي تستمر وتتواصل غيبوبتنا واغترابنا عن هموم وتحديات عصرنا. لم يعد هناك من يعادي المنظومة التي أكرمت سلالات بني آدم (الحداثة) غيرنا في هذا العالم الذي حولته بركاتها الى قرية كونية. نحن الملة الوحيدة التي ما زالت تحتفي بكل ما له صلة بالجهل والشعوذة والتخلف، وهذا ما يجب علينا مواجهته بما تبقى لنا من علاقة بهذه “الدنيا الفانية” كي لا يتفشّى مشهد تلغيم الطفلتين من قبل أمهما وأبيهما، تلك الفضيحة الأخلاقية والقيمية التي لم يعرفها قاموس الهمجية والبشاعة من قبل.
إن تجربتنا مع الحداثة ومنظومتها الراقية من المفاهيم والقيم، لم تستند الى أسس راسخة، لذلك لم تترك خلفها إرثا او مؤسسات قادرة على الدفاع عنها، بل كانت أشبه ما يكون بـ (مطر صيف) ولم تلبث أن تبخرت أمام أول تحدٍ لها من قبل ممثلي مؤمياءات الماضي (البعث وأتباع الرسائل الخالدة والحنديريات المستقيمة) والتي استردت مفاتنها مع ظهور ممالك النفط والغاز أو ما عرف بالاقتصاد الريعي، والذي انسجمت قيمه وعاداته مع عصور الغزو والسبي وفقه العبيد والسبايا وغير ذلك من مقنتيات الفردوس المفقود (الخلافة) والذي حققته داعش على ولايات العراق والشام. وهنا لا بد من الإشارة الى دور وتأثير “حصان طروادة” داخل معسكر متقمصو الحداثة والمدنية والعلمانية، ذلك الدور المتناغم ومشيئة قوى الردة الحضارية في الإساءة وتشويه صورة وسمعة تلك المنظومة الراقية في أذهان الغالبية العظمى من المتلقّين الذين اغتربوا عن حاجات عصرهم الواقعية. علينا أن نتفق على حقيقة؛ عدم وجود قوى أو تيار يمثل الحداثة والعلمانية في المشهد العراقي الراهن، نعم يوجد أفراد ومواقف هنا أو هناك، لكنها لم تصل الى مستوى النضج المطلوب الذي يمهد لامتلاك مثل هذا التيار الحيوي لولادة الأمم والدول الحديثة.
لا بد لنا من الاتفاق الى أن انبثاقات الحداثة في بدايات القرن المنصرم كانت مؤشرا للعافية والتطلعات المشروعة التي عاشها أسلافنا آنذاك، وبالمقابل تمثل القوى الحالية أكثر من أربعة عقود من الهزائم والحروب والانحطاط، ولذلك لا يمكن التعويل عليها بأي إصلاح أو مشروع للنهوض والتغيير نحو الأفضل. سبيلنا الوحيد هو إعادة الاعتبار للمشروع التقدمي والحضاري وتلك التطلعات التي أجهضت وشوهت بشكل همجي وبعيد عن أبسط أشكال العدل والإنصاف، والى أن تلتقي الروافد السليمة لأجل ذلك، ستبقى الاستعراضات الخاوية والدقلات البائسة هي سيدة الموقف والتي تزوّد المشهد الغرائبي الراهن بكل مستلزمات التمدد والبقاء..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة