طفح الأطاريح

عندما اقتاد “أوباش الريف وحثالات المدن” أحد ألمع شخصيات العراق العلمية، العالم الجليل ورئيس جامعة بغداد الاستاذ عبد الجبار عبدالله الى أقبية قصر النهاية سيء الصيت، وعرّضوه الى أبشع أنواع الإهانة والتعذيب، مع عدد غير قليل من خيرة علماء العراق ومتخصصيه في شتى المجالات العلمية والسياسية والمهنية؛ يكون العراق قد ولج الى بوابات الحضيض الذي اكتشفناه بمرارة وألم بعد “التغيير”. عوضاً عن الالتفات الى تلك الحقيقة المرة، والعمل من أجل إعادة ترميم ما خربته التجربة التوليتارية وما عبثت به في المجال الأشد فتكا في حياة المجتمعات والدول (التعليم) ليضعوا قاطرة الأكاديميات العراقية على الجادة الصحيحة والمجربة، استثمر “أولياء الأمر الجدد” بنحوٍ بشع ما خلفته لهم تلك الحقبة المظلمة، من مناهج وملاكات ومعايير شاذة، إذ لم يمر وقت طويل على تلقفهم لمقاليد وزارتي التربية والتعليم، والتعليم العالي، وفقاً لناموس المحاصصة الطائفية والاثنية، حتى شهدت مستودعاتها المتخمة بالأطاريح السابقة، سيلاً من الأطاريح الجديدة، لا سيما في الحقول الإنسانية والاجتماعية، والتي تتغنى بالهموم المحظوظة لقوافل الفتح الديمقراطي المبين.
لقد أصبح وجود حرف (د) قبل الاسم، أمراً لا مفر منه لكل مشاريع الزعامة والقيادة والمناصب السيادية في دولة العراق الديمقراطي الاتحادي، حتى وصل الأمر بالمنتسبين لنادي السلطة التشريعية (مجلس النوّاب) لأن يقدموا مشروع قانون يحجب حق عضوية ناديهم عن كل من يحاول التسلل إليه قبل الحصول على الشهادة الأكاديمية، اعتزازاً بالمآثر التي اجترحها جيشهم العرمرم في مختلف مجالات الحياة المادية والقيمية..؟! لذلك شاهدنا مبكراً ظاهرة تدافع المسؤولين الجدد عند أبواب الجامعات المحلية منها أو الصديقة، كي يتحزموا للمقبل من التحديات بكل أنواع الشهادات والعناوين المطلوبة. أعضاء لأعلى سلطة تشريعية في البلد نجدهم في مكاتب عمداء الكليات يؤدون الامتحان، من دون أدنى وجع من عقل أو ضمير. ومسؤولون على قمة الهرم العسكري والأمني يتصدون لأخطر المهمات وفي وضع استثنائي لا مثيل له؛ تجدهم يجدون الوقت الكافي لأداء تلك المسؤوليات والتحضير لأطاريحهم في التخصصات السياسية والإنسانية..؟!
لن نجافي الإنصاف والموضوعية، عندما نقول عن القسم الأكبر لكثبان الأطاريح السابقة واللاحقة، أنها لا تقدم شيئاً اللهم إلا كونها دليلاً على حجم الانحطاط الذي انحدرت إليه الأكاديميات العراقية منذ اغتيال الجمهورية الأولى حتى هذه اللحظة، والتي تشير فيها المعطيات الى تكدس آلاف الأطاريح كل عام. كثبان من الأطاريح في المراحل الأكاديمية المختلفة (بكلوريوس وماجستير ودكتوراه و….) هدفها الأساس؛ هو الدرجة الوظيفية وسلّم المخصصات المالية وما يتبع ذلك من الوجاهة الاجتماعية والإدارية، من دون الالتفات الى تقارير منظمة الشفافية الدولية، إذ نقبع في قعر بياناتها وتقاريرها التي ترصد وباء الفساد وتمدده على مضاربنا المنحوسة. لا أحد من هؤلاء الفطاحل يكلف نفسه في التعرف الى تجارب الآخرين في هذا المجال، ليقدم لنا على سبيل المثال لا الحصر؛ شيئا عن عدد اصحاب الـ (د) في كوكب اليابان عندما اجترح مأثرته في النهوض من بين انقاض الحرب ومخلفات باكورة الجرائم النووية على بلادهم.. وغير ذلك من الأسئلة التي تدعونا لكبح وباء الشراهة عن ما يفترض أنه قلاع للعلم والعمل والإيثار والأمل..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة