أحزاب شخصية

لم يمر وقت طويل على ولادة العراق المستقل نهاية الربع الأول من القرن المنصرم، حتى أدرك الرعيل الأول من الوطنيين العراقيين، أهمية وجود الأحزاب السياسية والتنظيمات المهنية والاجتماعية، بوصفها الركيزة الأساس لترسيخ وازدهار النظام الجديد. ومع بدايات التجربة الديمقراطية الفتية (ممارسة الانتخابات) برزت التظاهرات الشعبية المطالبة بضرورة وجود الأحزاب الحرة المعبّرة عن مصالح شرائح المجتمع المختلفة، إذ انعكس ذلك بوضوح في الشعار الذي رفعته آنذاك (لا انتخابات من دون أحزاب). شعار اختزن وعيا مبكراً ونضجاً سياسياً عالياً، تجسد على أرض الواقع بزعامات مقتدرة من نسيج جعفر أبو التمن ورفاقه من حاملي هموم المشروع الوطني والإنساني. كل من يتصفح شيئاً عن ذلك النشاط السياسي، سيجد تجليات ذلك التنوع والتعددية في طبيعة وخطابات تلك الأحزاب، من اليمين الى اليسار مروراً بأحزاب البرجوازية الفتية والطبقة الوسطى، حيث شهدت التجربة تلاقحاً حيوياً بين مختلف المدارس الفكرية الحديثة منها والتقليدية. لكن بعد الانقطاع الدراماتيكي لذلك المسار الطبيعي والمتوازن، وتحول الإمكانية السلبية الى واقع، بوصول المافيات السياسية الى السلطة، وإنتاجها لابشع تجربة توليتارية عرفتها المنطقة في تأريخها الحديث، تعرضت روح المجتمع وسر حيويته وقوته (تعدديته وتنوعه) لضربات ماحقة، ما زالت وبالرغم من مرور أربعة عشر عاماً على زوال الدكتاتورية، عاجزة عن استرداد عافيتها ومكانتها السابقة.
إن مهمة إعادة الروح لذلك الإرث المتوازن من تقاليد النشاط السياسي، يتطلب منّا اقتفاء أثر ذلك الوعي المتقدم ووضع شعار (لا انتخابات من دون أحزاب) نصب أعيننا، بوصفه الرافعة المجربة لامتلاك عملية سياسية واعدة وراسخة. انتخابات وفق أسس وقوانين لا تسمح بتسلل أشباه الأحزاب وتنظيمات التشرذم على أساس “الهويات القاتلة” الى السلطات التشريعية الاتحادية منها أو المحلية. لكن ما نراه اليوم، لم يرتق لذلك الوعي الذي أشرنا إليه في الثلاثينيات من القرن المنصرم، فبعد الفشل الذريع الذي سطرته الكتل و”الأحزاب” المتنفذة؛ برزت ظاهرة تأسيس ما يمكن أن نطلق عليه بـ (الأحزاب الشخصية) حيث ينبري أحد الذين منحتهم الصدفة التأريخية مقعداً في البرلمان، لتأسيس حزب يكون تحت رعايته ووصايته، حيث تطوف جماهيره حول شخصية ولي النعمة والتمويل، من دون الحاجة لامتلاكه أية هوية اجتماعية وتنظيمية أو قيادة جماعية وبرنامج أو نظام داخلي ينسجم وتوجهات الحزب وأهدافه الاجتماعية والسياسية.
نوع جديد ينضم الى قائمة الأحزاب والكتل التي تجاوز عددها المئتين في سجلات المفوضية المستقلة للانتخابات، نوع لن يخرج عن مشتركات سابقيه لمواسم الانتخابات ونتائجها التي اختبرناها جميعاً. وهذا يؤشر على أن الشروط والمناخات لم تنضج بعد لولادة أحزاب سياسية بالمعنى الحديث للكلمة، كي تنهض بمهمة إعادة البناء التي يحتاجها العراق بعد كل ذلك الخراب والضياع الذي عاشه مع زمر الاستبداد والإجرام وقوى الشراهة والتخلف وضيق الأفق. مع مثل هذه الأعراض للمشهد السياسي الراهن (كتل المكونات والأحزاب الشخصية و..) ، وبالرغم مما تلحقه من أضرار بوعي وتطور سكان هذا الوطن المنكوب؛ إلا أنها تعبّر عن الحالة الواقعية للمجتمع وقدراته الفعلية التي ضعضعتها عقود من الحروب والقمع والمسخ المنظم. إن عدم تبلور وعي ومشاريع جدية للنهوض مجدداً، ليس دعوة لليأس كما يبدو للوهلة الأولى، بل هو الخطوة الصحيحة في مشوار الألف ميل بعيداً عن الأوهام والاستعراضات الخاوية..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة