رحلة الى الشرق

زهير كريم

يقول الكونت يوليان ، أمير سبتة ،ومالك الاساطيل التي عبر بها طارق الى الاندلس :للكراهية بذرة ، انها تنمو باستمرار ، وتتحرك بطريقة ما تشبه تلك الاعشاب الضارة في الحقل ، حسنا هي ليست ضارة تماما عند ما يتعلق الامر بمصلحة مؤقتة مثلا ، وصحيح ، أننا نحن من يسقي هذه البذرة ،نوفر لها الشروط ، لكن في النهاية يصبح الأمر، وكما هو شائع ، أن أحد طرفي الصراع سيقدم نفسه هبة ،أو أضحية ، ويكون الطرف الآخر ، انا مثلا ، الكونت يوليان ،علامة على المزاج الجيد لهذه البذرة ،والوصي على ازدهارها، وبالطبع ،أنت تعرف ياطارق حجم كراهيتي ل(روردريك) ، هذه العاطفة المتأججة هي ما جعلتني مخلصا لغايتي ، وكل ما في الامر أني اعتنيت بالبذرة سقيتها بسوائل من قلب قلبي ، صارت شجرة ، أعتقد انها أثمرت بشكل يدعو الى الرضا ،و من ثمارها ،أنك الآن وصاحبك موسى، اصبحتما سيدا هذه الاراضي ، بالنسبة لي اكتفيت بإطفاء نار الضغينة ، مات ملك القوط ،السيد الذي كان حاكما لسكان هذه البلاد ، أما أنتما ،لم تزل بذرتكما تنمو ، سوف تصبح شجرة ، والحقيقة اني لا أعرف من سيكون الاضحية ،ومن منكما سيكون صاحب السكين التي تذبح .
دخلت أم حكيم ، ثم انسحب يوليان بهدوء خارج القصر ، كانت نظرته غامضة ، لكنه على كل حال ، قال شيئا مهما ،قبل ان يخرج : الرحلة ستكون طويلة ،ومليئة بالمفاجآت .بالنسبة لأم حكيم، لم تقل شيئا ، فقط، تمنت لطارق رحلة مريحة ، قال لها ، انه سيعود ، ابتسمت بيأس ، ثم نطقت بشيء اهتز له كيان الفارس : لن تعود ياطارق ، لن تعود. شعر بالحزن ، وتسلل احساس مرّ بطعم النهاية الى قلبه ، وشمّ شيء له رائحة فساد في المكان ، فكر بالخليفة ، وماذا يمكن ان يخبئ موسى له هناك من مؤامرات ، على كل حال ،لا يمكن له أن لا يذهب الى الشام، قوتان كانتا تتجاذبانه ، حلم السلطة ، يتوقف هذا الامر على عودته منتصرا من الشرق ، القوة الاخرى ،هي الخوف من أن يكون كما قال الكونت يوليان ،أضحية السياسة والحرب ، والحقيقة أن لا تصور واضح لديه في هذه الحالة عن شكل النهاية : متى تذهبين يا أم حكيم ؟. كان في جملته شيء كثير من الرغبة أن تبقى معه حتى يرحل ،أو انها ترافقه مثلما كانت شريكة سعاداته وآلامه ، بالنسبة لها قررت ، ولم يعد بالإمكان الانتظار ، قالت أن لحظة الوداع مادامت هي نفسها لحظة فقدان الأمل ، فهي تدرك أن اليوم او بعد يومين لا يغير من طبيعة القدر شيئا ، وأن عليها العودة الى طنجة والعيش بسلام ، حسنا لم تترك تصريحا اخيرا ، يعبر اليه بيأس ، أو ربما بشيء ضئيل من الأمل : قلبي سيكون معك ياطارق ، اعتن بنفسك ، ولا تنس الخوف الذي يخبئه مستقبل المرء ، لا تنس أن تخاف هنا أو هناك ، ابحث عنه ،وامسك بخيوطه ، امسك خيوط حياتك ياطارق.

• مقطع مجتزأ من نص طويل

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة