من كتاب الانهيار المديد

هذه رؤية جريئة للغاية عن مقدمات بناء الدولة العربية الحديثة وكيف اسهمت الظروف المتداخلة والمتقاطعة للأوضاع في منطقتنا
في اكساء المشروع التحديثي ملامح غير تحديثية . وبالتالي يرسم الكاتب حازم صاغية صورة الاطار المتحكم بتطوير التجربة الفكرية والسياسية والإجتماعية في اوقات متغيرة منحت او سلبت نخبنا مقدرتها على انتقاء مشروعها التحديثي المأمول .
التحديثيون العرب نزعوا موضوعة الدولة – الأمّة من برنامجهم
الحلقة الثالثة
حازم صاغية

لقد بلغ رفض عرب الشرق الاوسط للغرب ابعد مدى له في رفضهم للدولة او الدولة – الامة بوصفها شكل هندستهم واعادة هندستهم كجماعات، وزاد في حدة الرفض وفي تبريره ان الاستعمار كان حامل الدولة الحديثة الى تلك المنطقة منذ احتلال الانجليز مصر 1882 ثم جاءت معاهدة سايكس- بيكو في 1916 ترسم للجزء الاسيوي من الشرق الاوسط العربي تصوراً عريضاً لدولة وحدودها ومناطق النفوذ فيها.
لكن المفارقة ان الاستعمار الذي غالباً ما اتهم بفرض التجزئة والتقسيم يمكن بسهولة اكبر اتهامه بفرض التوحيد واحياناً بالمبالغة في ذلك فالذين صاروا عراقيين او لبنانيين كانوا على مايدل عديد البراهين سينشئون كيانات اصغر بكثير في ما لو تركهم لشأنهم حينذاك وهذا ما تشير اليه ظروف انشاء تلك الكيانات والولاءات التي سادتها يومها كما تدل المخاوف المتبادلة داخل المجتمعات الجديدة والتي اتخذت في احيان كثيرة شكل حروب اهلية.
ويسعنا والحال هذه الكلام عن بعد توحيدي للاستعمار في معنيين.
من جهة ان الشطر الاسيوي من المنطقة تلك ما بين العراق وفلسطين لم يكن مرة موحداً الا كجزء من سلطة عثمانية عابرة للقوميات وبالتالي لا يمكن ان يكون الاستعمار قد جزأها فهي اشتملت على ولايات متغيرة الحدود والتركيب ترسبت عن امبراطورية انهارت الحرب العالمية الاولى ثم انصرف الاتراك بعدها الى بناء الدولة – الامة التركية متخلين عن شركائهم العرب اما مصر التي كانت بالفعل كياناً سياسياً وادارياً واحداً فلم تتجزأ على يد المستعمرين والشيء نفسه يصح في كيانات اخرى عربية وغير عربية كالجزائر او الهند التي خضع بعضها للتقسيم عند استقلالها وليس قبله.
– ومن جهة أخرى فان تركيب السلطنة لم يكن من النوع الذي يدمج السكان ويقيم بينهم أي نسيج يشد بعضهم الى بعض فالسلطنة وكامتداد لتقليد اسلامي مديد في السياسة وبناء الدول لم تكن الدول الا في حدود جمع الضرائب وتطويع الشبان في الخدمة العسكرية وهي كما اشار كثيرون مراراً من قبل، لم تتدخل في الحياة الداخلية لسكانها ولم تحاول ان تربط في ما بينهم اقتصادياً او ثقافياً لقد تركت الجماعات الدينية والمذهبية والاثنية على حالها طوال قرون تعززت فيها الهويات الصغرى ونزعة الانكفاء عن المركز واصطدام السكان المحليين بالدولة- الامة ذاك الوعاء الذي حملته معها الكولونيالية واعتمدته في تقسيم هذا الكم الضخم من الاراضي والبشر الذين كانوا عثمانيين هكذا ارتسمت صورة الدولة العربية المرغوبة كدولة عابرة للحدود التي أنشأها الاستعمار كما اسبغت عليها جذور ضاربة في تاريخ واصل عربيين متخيلين.
وكانت هنه ارنت قد ميزت بكثير من الوضوح بين نوعين من القومية حين رأت ان الـ «القومية القبلية» (…) تملك القليل المشترك مع القومية كما تعرفها الدولة- الامة الغربية الوافية التطور بزعمها التمثيل الشعبي والسيادة الوطنية مما نما منذ الثورة الفرنسية ثم القرن التاسع عشر فجاء نتيجة تركيب لعنصرين كانا ما يزالان منفصلين في القرن الثامن عشر وبقيا منفصلين في روسيا والنمسا- هنغاريا الهوية الوطنية والدولة.
فالقوى الاوروبية حملت خبرة الدولة- الامة التي بدأت تكتسبها من تقليدها ، لاسيما منذ « معاهدة وستفاليا» .وطبيعي ان لا يصدر احد لغيره الا ما يملك. صحيح ان بريطانيا وفرنسا قد طبقتا هذا المفهوم انتقائياً باحثين عن ضمان مصالحهما وهو امر مفهوم في الدول واشتغالها لا سيما في مطلع القرن العشرين حين لم تكن فكرة المساواة قد انتصرت في اوروبا نفسها ناهيك عن التوسع الى خارجها. الا ان الامر المهم الاخر ان تطبيق الدولة- الامة لم تكن له سوابق في البقعة العثمانية التي كان الاسلام والمذهب السني حصرًا رابطتها الجامعة وبحثاً عن خلفية في التاريخ الثقافي سيكون من الصعب تجاهل ان الدولة في اللغة العربية متأتية عن فعل دال الذي يعني التغيير والانقلاب على عكس الثبات الذي توحيه كلمة دولة (state) في اللغات الاوروبية اما مصطلح الامة في التقليد الاسلامي فيعني جماعة المؤمنين بعينهم.
هكذا وعبر رفض الدولة- الامة رمي الطفل مع الغسيل الوسخ فصارت السياسة المعمول بها تتطور من دون الدولة بل باتت السياسة تعني عملياً رفض السياسة .
اخطر من ذلك ان التحديثيين العرب بعد ذاك نزعوا موضوعة الدولة- الامة من برنامجهم التحديثي فصاروا يناضلون من اجل نزعة قبضة الدين عن الحياة العامة ومن اجل مساواة الجنسين او الاصلاحات الزراعية لكنهم يناضلون ايضا للتخلص من الدول القائمة او لدمجها او لاقحامها في حروب مصيرية لا تقضي الا الى فنائها لقد انتهى هذا البرنامج الذي تولاه قوميون ويساريون مختلا واعرج.
فاذا اضفنا ان مهنة السياسة قدمت نفسها منذ ماكيافيللي كنشاط مستقل عن الدين والاخلاقيات بدت السياسة في الشرق الاوسط العربي وثيقة الاتصال بالدين ومعه نظام القرابة تعوض بهما نقصها البنيوي وهذا ما يفسر كثرة تعابير الشرف والشرفاء والدفاع عن ديننا وكرامتنا في اللغة السياسية العربية الراهنة كما يفسر غلبة ما هو موروث في اللحظات الحرجة والحساسة على ما هو موضوع ومختار ومثل هذه الغلبة تتعارض تعريفاً مع المنطق الداخلي للحداثة وللحرية سواء بسواء.
ولقد ترتب على هذا نتائج عدة:
فلأن الغرب صنع الصورة الحديثة للمنطقة وهو ما كتب نابليون فصله الاول القصير حين غزا مصر في 1798 تعززت الميول التآمرية التي تعدّ كل ما يحصل لاسيما مهنة السياسة مؤامرة خارجية لا بد لأبناء المنطقة فيها ثم لعبت القضايا العابرة للحدود واهمها قضية فلسطين، دور البديل من الدول كما لو ان تفويض الدول والاستقرار يتم عبر تلك القضايا وعبر تبنيها هكذا صارت تبني المواقف على قضية ما وانطلاقا منها وليس على حاجات مجتمع محدد بعينه. وهذا على العكس تمامًا مما تعلمته السياسة الغربية من الدول- المدن اليونانية القديمة حيث لا تنفصل الاولى تعريفاً عن استجابة الحاجات المحددة للثانية والواقع وفي الخلفية غير المنظورة دائمًا ان اليونان القديمة ونظرها الى الامور تعرضاً لهجوم كبار الفلاسفة المسلمين السنة الذين يتعامل معهم كرموز للتيار الكلاسيكي العريض .
فالمسلمون الاوائل الذين لم ينشأ تفكيرهم من حول المدينة تبعاً للافتقار الى مثل هذه المدينة استسهلوا نبذ العقل اليوناني وما يتفرع عنه وقد صح هذا خصوصاً في الغزالي الذي عاش في القرن العاشر وابن تيمية في القران الثالث عشر فالأول في كتابه تهافت الفلاسفة والثاني في كتابه الرد على المنطقيين ادانا الكفر وطرق اشتغال العقال عند اليونان وتمسك ثانيهما ب «الفطرة» في مواجهة «البرهان».
وقد تحولت الضدية تلك الى نهج راسخ في النظر والنقد ففي معظم الفكر السياسي الرائج عربياً يرى الى العالم بوصفه انظمة وافكاراً وايديولوجيات وقضايا الا انه لا يرى كبلدان وكمجتمعات.
وذلك انما يشبه في حالتنا نحن ممارسة لعبة كرة القدم من دون رسم الملعب بحيث يسهل على تلك الروابط السابقة على الدولة والنافية لها كالأديان والطوائف والعشائر ان تهرب الى عناوين ومعان عريضة كـ «الاسلام» ثم منذ الاربعينيات الى القومية العربية وفلسطين لكن الحقائق كانت دائماً تفضح الكلام المنتفخ: ذاك ان الشعارات التوحيدية تلك تخفي ميولا انشقاقية عميقة اراد اصحاب الشعارات انكارها: فالإسلام ليس واحداً اذ هناك كما نعلم جيداً اسلام شعبي شفوي مخلوط بعادات وتقاليد اقدم من ولادة الدين العربي وهناك اسلام مديني ومتعلم وكل منهما ينقسم على عدد الدول والمناطق والجماعات كذلك هناك اسلام السنة واسلام الشيعة فضلا عن فرق كثيرة في سوريا ولبنان وفلسطين كالعلويين والدروز والاسماعيليين ممن لم يتوقف النقاش عما اذا كانوا مسلمين اولا. وطبعًا تلوين كل واحدة من الدول اسلامها بلونها الخاص الناتج من طريقة حياتها وتعليمها ومواصلاتها، وحينما نتحدث عن مذاهب المسلمين نكون نتحدث ايضا عن مواقع اجتماعية مختلفة وعن ثقافات فرعية متباينة فوق هذا لان الاسلام لم يتعرض لحركة اصلاح جدية عمل استمرار التأويل الحرفي وما قبل الكانطي على توسيع المسافة الفاصلة بين هذه الاسلامات الكثيرة. اما القومية العربية فهي ايضاً كانت في تاريخها تقسيمية اكثر بكثير مما هي توحيدية. فقد ظهرت الدعوة العربية اواخر القرن التاسع عشر في جبل لبنان على ايدي مثقفين مسيحيين فكان غرضها الاول لاحياء اللغوي وازاحة الاسلام عن صدر الحياة العامة ومن ثم توفير جسر لانتقال الافكار الغربية الماسونية والعلمانية الى الشرق او ما يصفه البرت جوراني بـ ايجاد جماعة يستطيع (المسيحيون) ان يكونوا بنحو كامل جزءاً منها وعلى أية حال فجماعة كهذه لم توجد وفي الاربعينيات والخمسينيات مع توسع الادارات الاستقلالية والجيوش والبورجوازيات الصغرى واقتصادها البضاعي الصغير استقطبت القومية العربية ابناء الاقليات المسلمة المتذمرة من حكم الاعيان السنة وتحولت من دعوة ثقافية لغوية الى اخرى سياسية كما انتقل مركزها من جبل لبنان المسيحي الى سوريا وفقط مع جمال عبد الناصر مع اواخر الخمسينيات بدأت الدعوة الى القومية العربية تجذب الجسم السني العريض. لكن هذا اخاف مسيحيي لبنان وشيعة العراق واكراده فانكفأوا عنها وقاوموها. هكذا تمسك المسيحيون اللبنانيون بزعاماتهم الاكثر تشدداً في مسيحيتهم وعلى رأسهم كميل شمعون والتف شيعة العراق حول رئيس الحكومة والزعيم عبد الكريم قاسم الذي وقف في وجه القومية العربية باسم الوطنية العراقية مثلما التفوا حول الحزب الشيوعي الذي حرض قاسم على مزيد من التطرف والخشونة في قمع القوميين العرب.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة