الأخبار العاجلة

ديمقراطية وطاحت علينه

في مضاربنا المنكوبة بذلك الإرث الطويل من العبودية والجهل والخنوع، يمكننا وضع مفردة “ديمقراطية” مكان “طركاعة” من دون حدوث إي اختلال بالمعنى. لقد تحولت أرقى منظومة لإدارة شؤون المجتمعات والدول (الديمقراطية وما تتضمنه من حقوق وممارسات وسلوك وحريات) الى نقمة وكارثة، في ظل مناخات واصطفاف للقوى وضحالة في الوعي لم يشهده العراق من أيام حكم قبائل الآق قوينلو والقره قوينلو. هكذا وجدت “الديمقراطية” نفسها وسط محيط من القوى والأحزاب مفتونة جميعها بـ “آلياتها” وفي نفس الوقت لا تطيق روحها وفلسفتها المارقة..! التقاء هذين الشتيتين (قوى التخلف والاستبداد وآليات الديمقراطية) أنتج لنا حصادا من الكوارث لم تشهده التجارب السياسية من قبل. لقد تلقفت قوى التشرذم الوطني كل ما هو جميل وجذاب ومربح فيها مثل الصناديق ومواسم الاقتراع وحق التعبير عن الرأي (تظاهرات، اعتصامات وغير ذلك من ممارسات راقية) لتحلبها؛ لصالح غاياتها الفئوية الضيقة المتنافرة وقيم هذه الممارسات الراقية والمعبرة عن حاجات عصرها الواقعية لا الخرافية.
بهمة كل قوى التخلف والتشرذم والشراهة واللصوصية، تحولت منظومة الحريات، الى ما يشبه اللعنة، بعد أن مسخت بنحوٍ مستمر ومبرمج، حتى أصبحت مواسم الانتخابات بمثابة كرنفال خاص بحيتان العملية السياسية لإعادة تدوير أسلاب الدولة وسلطاتها الثلاث. أما فقرة الحقوق والحريات فقد تطوبت لصالح الكتل المتخصصة في فن تجييش وتعبئة الحشود، وقذفها الى الشوارع والميادين متى اقتضت الحاجات الشعبوية ذلك. قبل أيام شهدت أربيل تظاهرة، بعد انقطاع طويل لهذه الممارسة في شوارعها وساحاتها، وهي من نوع التظاهرات المرضي عنها، إذ خرجت لتأديب نائب وناشطة كردية غردت خارج السرب، وكان لا بد من إشهار العين الحمرة (التظاهرات والتهديدات) كي تعرف قدرها أمام أنصاف الآلهة الممسكون بلجام القطيع. ومثل هذه الممارسات هي جزء بسيط من المسوخ والتشوهات التي عرفتها هذه الممارسات بعد سيطرة قوى التخلف والاستبداد عليها، ومثلها الكثير في بغداد وبقية المدن العراقية المنكوبة بقيم وتقاليد اغتربت طويلاً عن كل ما يمت بصلة للحقوق والحريات.
يمكننا فك طلاسم المشهد الغرائبي الذي انحدرنا إليه، عبر التعمق قليلا بما يجري من تناهش بين فقرات الدستور العراقي، الذي جمع ورغم أنف طيب الذكر مونتسكيو؛ بين الديمقراطية والشريعة، من دون وجع من قلب أو ضمير، لينتهي النزال بفوز كاسح لأصحاب الشوكة والدولة والنفوذ والأجنحة المسلحة (معسكر الشريعة) على الطرف الآخر (الديمقراطية) التي فقدت ثقة ما تبقى لها من الأيتام. مأساة الديمقراطية ومحنتنا معها؛ إنها وصلت إلينا بعد أن تم سحق كل من يتوسم فيه شيء من مفاهيمها وقيمها المارقة، ولم يتبق لها سوى الدغل الذي رافق تلك التطلعات، والذي يقدم نفسه بكل صلافة بصفته ممثلاً لها، خلف واجهات مزيفة تدعي الديمقراطية والمدنية والحداثة. خطورة مثل هذه الادعاءات لا تقل عن الحملات التي تستهدفها من قبل أعدائها التقليدين، لا سيما وأنهم يقدمون أنفسهم بوصفهم تيار وكتلة موجودة، غير أن النحس لا يكف عن مرافقتهم. متى ماتم إدراك مغزى هذه المفارقة (ديمقراطية بلا ديمقراطيين) ووعي حجم الزيف الذي يحيط بنا، سنكون على الطريق الصحيح في مشوار الألف ميل نحو الديمقراطية وفسطاطها الذي أكرم البشر والحيوان والحجر..
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة