تعقيباً على مقال « زكي عبد الوهاب أنموذجاً « للأستاذ لهب عطا عبد الوهاب

خالص محي الدين
كاتب عراقي مقيم في عمان
قرأت مقالك الجميل أسلوباً ومعرفة، وشعرت من خلاله حبك وشغفك بالعم زكي لمعرفة المزيد من أخلاقه وثقافته وأسلوب عمله وفيما شغل من مناصب وظيفية. وهذا حقك بل هذا ما يفرضه الوفاء عليك ، ليس للرابطة النسبية ، بل لكون زكي شخصية يجب أن يكتب بشأنها ويؤرخ ، سواء أكان شخصاً سياسياً لعب دوراً مهمًا في أثناء فترة تأسيس الأحزاب الوطنية سنة 1946 أو بوصفه موظفاً شغل مناصب هامة وكان فيها مثلا للنزاهة والكفاءة (منها على سبيل المثال لا الحصر ادارته لمصرف الرافدين الفترة الممتدة من 1959 لغاية 1966 ).
لم يرد في مقالك من أن العم زكي شغل أول وظيفة له في مديرية الاموال المستوردة . وكان يشغل منصب معاون المدير العام حيث المرحوم ناظم الزهاوي مديرها العام (تأسست مديرية الاموال المستوردة عام 1949 لتحل محل وزارة التمويل وفقاً لتوجيهات نوري باشا السعيد وقد اوكل المهمة لسيد ناظم الزهاوي تاركاً له حرية اختيار الموظفين والتي ضمت إضافة الى العم زكي ، عبد اللطيف الشواف وآخرين ذو الاتجاهات التقدمية ).
في سنة 1950 أشتغلت في هذه الدائرة وكنت في أثنائها طالباً في ثانوية الجعفرية الاهلية، ذلك لأني فصلت من ثانوية بعقوبة بسبب توقيفي في سجن أبو غريب سنة 1949 لأسباب سياسية. كانت مديرية الأموال المستوردة يضرب بها المثل في الكفاءة والنزاهة والى يومنا هذا ولمن عاصر تلك الحقبة الزمنية الجميلة، كنا خمسة موظفين نشغل غرفة واحدة كبيرة، ثلاثة منهم شعراء هم بدر شاكر السياب ، وأكرم الوتري ، والأستاذ محمد شراره،(والد السيدة بلقيس زوجة المعماري المعروف رفعت الجادرجي ) ومهدي السامرائي خريج دار المعلمين العالية قسم اللغة و أنا .
كان المرحوم زكي كثير التردد علينا ، لا بصفته مفتشاً عن غياب موظف او غير ذلك ، بل يأتي قاصداً ، ليسلم سلاماً أخوياً ، ثم يجلس على حافة أي منضدة ويخاطب أحد الشعراء وعلى الاكثر كان يتكلم مع بدر ويطلب منه أن يسمعه شيئا من شعره ، فيضحك ويقول بصوته الرقيق اسمعنا يا بدر أو يا أكرم ، فيقرأ بدر شيئاً من شعره ، وكان بدر في تلك الفترة يكتب ويعاني في قصيدة المومس العمياء وهي من قصائده المطولة.
وعند مجيئه مرة ثانية يبادر بالسؤال هل انتهيت منها يا بدر ؟
كان المرحوم زكي محباً للشعر بنحو ملحوظ ، ولن أنسى كيف كان يحرك رأسه عند سماعه للشعر كان وكأنه يسمع لحنا شجيا ويطربه .
أما أشبع عن سبب إعدامه ، وكما تناقلته العامة من الناس ، او أصدقاء ومحبي زكي ممن عرفوه وزاملوه هي :
1 – عند مجيء حزب البعث الى الحكم بانقلابه سنة 1968 ، حاول كذباً أن يخدع الناس ويضفي على نفسه سمة الديمقراطية واليسارسة فكلف المرحوم زكي ، ليشغل وزارة المالية ، فرفض زكي ذلك ، مما غرس حقداً في قلوب قادة البعث .
2 – لقد قام حزب البعث بإعدام عدد من الاشخاص باعتبارهم جواسيس قبل أعدام زكي ، وكان جلهم من الذين يحملون الفكر القومي أو الاسلامي ، ولم يكن بينهم احد ممن يحب الحركة الديمقراطية او اليسارية ، وكان هذا حديث الناس عن وطنية ونزاهة التيار الديمقراطي فكان العم زكي هو الضحية لتشويه سمعة هذا التيار الوطني.
3 – ان استقالة طلعت الشيباني وزميله زكي عبد الوهاب من الحزب الوطني الديمقراطي لم يكن بسبب فكر (الفابية) . صحيح ان حزب العمال البريطاني استفاد من الفكر الفابي ، الا ان الفابية لم تكن حركة سياسية منظمة وهي غير الاشتراكية الديمقراطية ، انما هي أفكار إصلاحية قادها كل من برناردشو ولاسكي
أما السبب الرئيسي للاستقالة، فأن المرحوم الجادرجي اراد ان يلحق الحزب الوطني الديمقراطي بكتلة الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية وتبني فلسفتهم (وهذا الموضوع يحتاج لبحث عميق وطويل لا مجال من ان نخوض به الان ) ولكن كان اعتراضهما منصباً بسبب من ان الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية في العالم والتي تسلمت مقاليد الحكم كانت احزاباً استعمارية وضد حركة الشعوب المطالبة بالاستقلال والديمقراطية ، التي كانا هما (طلعت وزكي ) من روادهما.
كما ان حزب العمل الإسرائيلي بقيادة بن غوريون كان من الاحزاب الاشتراكية الديمقراطية تحضر في كل المؤتمرات العامة لهذه الاحزاب الى يومنا هذا (علماً ان الثقافة الوطنية والحماس الوطني في سنوات الاربعينيات والخمسينيات غير ما هو عليه الان)
واخيرًا لقد عملت كموظف بمعية المرحوم زكي ، وهو الذي وظفني بواسطة صديق العائلة الدكتور رفعت علي الشيباني الشقيق الاكبر للدكتور طلعت الشيباني صديق العمر للمرحوم زكي .
كان العم زكي مثالا للأناقة والنزاهة والكفاءة في العمل والتواضع مع موظفيه ، يحب الناس والحياة ذواقاً للجمال والشعر والادب وبعرف جيداً غثه من سمينه .
وهكذا ذهب هذا الشخص النادر ضحية من ضحايا حزب البعث ولك الذكرى العطرة مني ومن كل الخيرين.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة