الأخبار العاجلة

(المركب السردي) في رواية (طشاري)

د. ثائر العذاري

في الكيمياء، في الطبيعة أو في المختبر، تتحد عناصر كيمياوية بسيطة لتكون مادة جديدة يصطلح عليها تسمية (المركب الكيمياوي)، ويحمل المركب خصائص فيزياوية وكيمياوية لم تكن موجودة في أي من العناصر التي تفاعلت لتكوينه، فالماء الذي نتج من اتحاد ذرتي هيدروجين بذرة أوكسجين لا يشبه أيا منهما في شيء، بل هو يحمل خصائص تتعارض تماما مع خصائصهما، فالأوكسجين عامل أساسي للاشتعال بينما يستعمل الماء لإطفاء الحرائق.
في الرواية، كما في الكيمياء، يتفاعل عنصران أو أكثر لينتجا أثرا جديدا لا يمكن رده لأي من العناصر المتفاعلة، يمكن أن نسميه (المركب السردي)، إذ تتضافر العناصر لتوليد دلالة جديدة غير موجودة في الكلمات ولا في التراكيب النحوية والصرفية، بل هي ناتج تفاعل كل ذلك وغيره معا.
في رواية (طشاري) ثمة الكثير من التفاعلات التي تستحق الوقوف عليها سواء أكان ذلك على مستوى موضعي في فصول الرواية أم على مستوى الأثر الكلي. ففي هذا المقطع من الفصل الأول يصف الراوي حارس الشرف الذي يقود الدكتورة وردية إلى داخل الإليزيه :
«كان كهلا أشيب متأنقا على أربع وعشرين حبة، يرتدي بدلة سوداء ذات ذيل يتدلى خلفه،…، وكانت تعرف تلك الصورة الشهيرة لنوري السعيد وهو يرتدي البدلة الرسمية السوداء، أم الذيل. «
الظاهر أن تيار السرد يجري على لسان راوٍ غائب أو ربما عليم، غير أن (التفاعل السردي) بين مفردات بعينها وضمير الغائب يكشف شيئا آخر، فلا يمكن لراوٍ خارجي أن يستعمل تعبيرا مثل (أربع وعشرين حبة) الذي هو تعبير شعبي موصلي، ولا يمكنه أن يصف بدلة نوري السعيد بأنها (أم الذيل) فهذه مفردات الدكتورة وردية وليست لغة الراوي الخارجي التي ينبغي أن تكون محايدة.
ثمة تفاعل هنا بين المفردات وضير الروي، وهو الذي سينتج مركبا بخصائص جديدة:
مفردات وردية + ضمير الغائب = الراوي دكتورة وردية.
وردية تختبئ خلف ضمير الروي الغائب لكن مفرداتها كشفت عنها، ولولا هذا المركب السردي ما كان بإمكاننا تحديد هوية الراوي.
وفي فقرة منزوية في الرواية تجري (إنعام كجه جي) تفاعلا سرديا معقدا، لكنه يغير فهمنا لشكل الرواية كلها، ففي الفصل (3) :
«على طريقتها في الكلام، قربت العمة وردية رأسها مني …
– تاليها يا إبنة أخي الحبابة، ألم تضجري من ثرثرتي؟»
يكشف تفاعل الكلمات المميزة بالخط الأسود عن أن الراوي هنا هو ابنة أخ وردية المقيمة في باريس، غير أن التفاعل الجوهري الذي له علاقة بكل مبنى الرواية يأتي في العبارة التالية لهذا:
«ديري بالك يا عيني، وأنت تكتبين وتشطبين وتراجعين وتستفسرين وتفركين جبهتك تأملا، أو ربما مللا من صداع الحكاية. ديري بالك لأن هذا ياقوت عمري،… «
مفردات الدكتورة وردية ووصاياها لابنة أخيها بتفاعلها مع كلمة (تكتبين) أنتجت مركبا سرديا معقدا يشكل الرواية كلها:
ديري بالك+ تكتبين + بنت الأخ= ما وراء السرد
الرواية إذن كلها كتبتها بنت أخ وردية عبر استنطاقها عمتها واستخلاص ما يمكن استخلاصه من ذاكرتها، مؤلف الرواية موجود داخلها وهو شخصية فاعلة فيها لأن وردية كانت تقيم في الإجازات ونهايات الأسابيع في شقة بنت أخيها.
كان هذا المركب السردي المعقد أحد أهم العناصر الجمالية في الرواية، إذ على القارئ أن لا ينسى أن أحداث الرواية تصله عبر قلم ابنة الأخ حتى عندما يكون الراوي شخصا آخر، فحين تكون وردية هي الراوي في الفصل الأول، مثلا، فإن هناك مركبا سرديا ينتج من تفاعل
زاوية نظرها + زاوية نظر ابنة الأخ التي تكتب.
فهي تكتب ما استطاعت فهمه وهو ليس بالضرورة ما كانت وردية قد رأته تماما. وهذا يفسر الكثير مما قد يبدو غامضا أحيانا، فالفصل التاسع، مثلا هو نص رسالة من (هندة) إلى والدتها:
« ماما الحبيبة..
لم أشبع من صوتك في التليفون هذا الصباح. تمنيت لو يظل الخط مفتوحا بيننا هذا النهار لأحكي لك عن حياتي هنا…»
وواضح من الكلمة الأولى أن الكلام نص رسالة، فلماذا طُبع بخط مائل؟ هذا مركب سردي نتج من:
الخط المائل + الراوي ابنة الأخ
فالراوي يريد القول أنه هنا ينقل نصا ولم يتدخل فهمه في هذا الفصل.
ومثل هذا كثير مما ليس بالإمكان سبره في مقالة قصيرة كهذه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة