الأخبار العاجلة

المصاحبة اللفظية في ديوان (غواية الصلصال) لعباس مزهر السلامي (1-2)

د. وائل الحربي

تفيض نصوص الشاعر عباس مزهر السلامي بالحزن والألم والوجع، وينفتح النص عنده على دلالات مكتنزة بالسخرية والتهكم، وينتج ذلك عن روح ناقدة غير مقتنعة بالواقع الذي يعيش فيه. والمصاحبة في اللغة هي مصدر قياسي للفعل صاحب على زنة ( مفاعلة) والمصاحبة تدل على القرب والضم والمقارنة بمعنى مقاربة الشيء والاقتران به، وكل شيء لا ءمَ شيئاً أو لازمهُ فقد استصحبه، فصَحِبَه، كسَمِعه، صَحابَةً، ويُكْسَر، وصُحْبَةً: عاشَرَهُ.. واسْتَصْحَبَهُ: دعاهُ الى الصُّحْبَةِ، ولازَمَهُ. والمصاحبة اللفظية اصطلاحاً هي مصطلح استعملهُ بعض اللغويين المحدثين من أتباع اللغوي فيرث. والمصاحبات اللفظية هي نمط من العلاقات الأفقية بين المفردات اللغوية في النص، وغالباً ما تتسم تلك المصاحبات بإمكانية التنبؤ بها، فهي ارتباط الكلمة مع كلمة أخرى أو كلمات محددة في الجملة. وقد اصطلح عليها اللغويون بمسميات مختلفة منها: المصاحبة اللفظية، والتعابير السياقية، والتضام، والتوارد، والتلازم، والتعابير الاصطلاحية، ولذا يمكن القول انَّ المصاحبات اللفظية تشمل الأسماء المركبة والأمثال والحكم والمصطلح المكوّن من أكثر من كلمة والعبارات التي يرتبط بعضها بالآخر ارتباطاً دلالياً،
فاذا سمعنا كلمة من التعبير انبثقت الكلمة الأخرى المصاحبة في أذهاننا، فكأن الكلمة الأولى تطلب الثانية، كأنْ نسمع تعبير( حَكَمَ البلاد بيدٍ من) فلا شكّ أن نكملهُ بكلمة (حديد) مثلاً، أو مثل ( على قدمٍ وساق)، ومثل : (بشق الأنفس)، والمصاحبات تختلف من حيث قوة الارتباط بين اللفظين المتصاحبين، نظراً لأسباب مختلفة منها : طبيعة التعبير اللفظي كأنْ يكون حكمة أو مثلاً، أو بسبب شدة ارتباط الألفاظ المكونة للتعبير في استعمال الواقع اللغوي أو الديني أو العلمي أو التأثر بها على نحو ما. وقد وردت المصاحبات اللفظية في شعر عباس السلامي في مجاميعه المختلفة، غير اننا اخترنا مجموعة غواية الصلصال، ميدانا للتطبيق من أجل الكشف عن طريقة تعامل الشاعر معها وإفادته منها وتوظيفه لها، وذلك لوضوح هذه الظاهرة الإسلوبية في تلك المجموعة. إن استعمال الشاعر لهذه الظاهرة التعبيرية يمثل ملمحاً اسلوبياً ومنحى فنياً لغوياً،
وهو – كما يبدو لي من قراءة شعره- صورة من صور المفارقة، التي تأخذ نصيباً واضحاً من شعره فتسمهُ بميسمها الذي يعكس احساس الشاعر بكل ما يلمسهُ في الواقع المر من متناقضات تثير فيه مشاعر ساخرة وناقدة وقلقلة، ومن صورها، ومن ذلك ما نجده مثلاً في عنوان مجموعته ( هذيانات عاقلة)،
إذ وصف الهذيانات بصفة العاقلة، وهما لا يجتمعان في الحقيقة، ومن ذلك قوله في هذه المجموعة ( بخمسين غصة أصعد الماء/ تمرق من بين عينيّ الضفاف/ يخاتلني رنين الظلال/ألملم البحر موجةً موجة/ وأفرشه خلسة في الرمال/ كيف أستعيدهُ لو أفاق؟) وقوله في قصيدة ( أبجدية أخرى) من مجموعة (غواية الصلصال( : (ترفو خطوك طرق فارهة بالضيق/ في ذاك الصمت الطافح بالضوضاء ص47) .
وقد اعتمد الشاعر على آلية المفارقة في بناء قصيدة ( رنين الكلمات) التي يقول فيها مثلاً: ( العزلة : حضور مستمر في الغياب.. الصديق: عدو محتمل ص121). ومن ذلك ما ورد في نص ( فخ لا زمني) إذ يقول : ( هو الآن بالود يطلي يديه/ ويأتي كما عثرة في الطريق/ أراني كلّما اندس، خفضتُ كتفي اليه/ وفتّحتُ عينيَّ/ كي لا أراه ص135). فقد بنى مغايرة بين الفعل وعلّته أو سببه وهو انهُ يفتح عينيه لا ليرى بل لكي لا يرى. وتتجلى المصاحبة اللفظية في مفاصل مختلفة من شعره، ومنها ما ورد في بعض عنوانات نصوصه، مثل عنوان قصيدته: ( قاب جرحين أو أدنى) التي عدل بها الشاعر عن التعبير القرآني الذي استعمل على ألسنة الناس على نحو غدا معه تعبيراً لفظياً شائع الاستعمال،
وهو قوله تعالى ( فكان قاب قوسين أو أدنى)(9) النجم) وقصيدة (على قارعة الذكرى)وأصلها على قارعة الطريق،
إذ استبدل الشاعر كلمة الذكرى بكلمة الطريق. وقد وظف الشاعر المصاحب اللفظية في مجموعة ( غواية الصلصال) لغرض خلق انساق لغوية دلالية جديدة يشعر معها الشاعر بالاطمئنان الى البوح الحقيقي عما يعتلج في نفسه، والتخلص من الإحساس بعدم كفاية ما هو تقليدي في اللغة ومن ثم في صورها في التعبير عن التشظي الذي يراه متمثلاً في الواقع. ولابد أن نشير الى الشاعر لم يكن يميل الى استعمال نوع المصاحبة اللفظية بلفظها ومعناها، اذْ كان ما استعمله منها مغيراً عن الأصل غالباً. في حين انه كان يميل الى استعمال المصاحبة بإبدال أحد اللفظين المتصاحبين، وغالبا ما كان هذا النوع على الإفادة من عبارات تكثر على ألسنة المتكلمين حصل بين الكلمات المؤلفة لها نوع من التوارد والترابط الدلالي.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة