التجربة الإعلامية اللبنانية والمسار العسير نحو المستقبل

كتب رئيس التحرير:
تعيش الصحافة اللبنانية مرحلة حرجة ومفصلاً مميزاً من الزاوية التأريخية .والحقيقة ان جوهر العقبات التي تواجه الاعلام اللبناني ليس ابن اليوم ، ولكن المراكمات التي حصلت خلال السنوات الماضية وما صاحبها من تغيير في جسد الاعلام اللبناني الفاعل جعلت بعض اقسام الصحافة اللبنانية غير قادرة على مواجهة المصاعب وبالتالي لم يكن امامها ، لا سيما ومسؤولو الصحف يمتلكون اجنداتهم الخاصة ايضاً ، الا اللجوء الى اغلاق العناوين الاكثر تعرضاً والاكثر ، ربما شعبية ، بين العناوين الباقية .
والتغييرات التي حصلت ( كما سيرى القارئ الكريم في مواد هذا الملحق ) جاءت من خلفيات التحول السياسي والايديولوجي الذي ضرب المنطقة . بعض تلك التغيرات كان سريعاً ومفاجئاً كاندثار عهود الدكتاتوريات في ليبيا والعراق قبلها والتحول في الموقف السوري وموقعه على الساحة اللبنانية . وجاءت التغييرات من زوايا مالية ترتبط بالهبوط والانكماش الكبيرين في اقتصادات الدول التي دعمت ومولت الصحافة اللبنانية كدول الخليج المختلفة التي بدأت بإغلاق منابرها نهاية الثمانينيات وبداية التسعينيات وتالياً ايقاف تمويل عناوين اتباعها من محرري المجلات والصحف التي استوعبت عدداً كبيراً من الكتاب المهنيين الذين لم تستوعبهم الساحة اللبنانية بتقلباتها المختلفة ولكن الحادة . ايديولوجياً تناقص الدعم الليبي الذي احيا ، مثلاً ، صحيفة السفير ، ودعم السعودية واتباعها او انصارها كالراحل رفيق الحريري الذي اشترى اقساطاً كبيرة من اسهم الصحيفتين الكبيرتين « النهار و» السفير « .
وقد عملت وكالة الاعلانات الأولى في الشرق الاوسط التي تسيطر على سياستها المملكة العربية السعودية على تأمين حصص كبيرة ومعتبرة من كميات الاعلانات التي تديرها وتشرف عليها . ومن المعروف ان التمويلات المباشرة من السعودية وقطر بالدرجة الأولى وما يتبعها من اعلانات كانت حجر الزاوية في تمويل ميزانيات الصحف المذكورة وغيرها في بلدان اخرى .
وكشفت ازمة « السفير « التي اغلقت قبل بضعة اسابيع ، والنهار التي هي على وشك الإغلاق ، عن طبيعة الإدارة التي تسير عمل الصحيفتين الكبريين وغيرهما من الصحف والمجلات . فالمنهج المتبع لدى تلك الادارة عن نمط ومستوى معينين بصدد ادارة حركة الاموال التابعة او المرتبطة بالصحيفتين . وفي كلتا الحالتين كانت العائلتان اللتان تديران الصحيفتين تحتفظان بالاموال في حسابات خارج حسابات الصحيفة اولا ً ، ومن ثم لم يكن لأي هيئة ادارة او مجلس ادارة سيطرة او معرفة بكيفية ادارة تلك الأموال . وبالتالي لم يعد ممكناً معرفة اين حدود السيولة المالية للمؤسسة وما هي الاملاك العقارية المرتبطة بهما ، وبالتالي اصبح حبل الإنقاذ قصيراً بيد المحررين .
طبعاً يشعر المرء بالأسف على مصير الصحيفتين والمحررين الذين اما انهم في الشارع الآن ، كما في حال السفير ، او انهم اسرى قرارات مؤسسة لم تدفع لهم رواتبهم منذ 15 شهراً ولم تقدم لهم خيارات كريمة تليق بماضيهم ومنزلتهم . ففي مرحلة استقرار وثبات المؤسستين كانتا تمدان كل اعلامي في المنطقة العربية بالإنموذج اليومي للممارسة الإعلامية والحرفية المهنية . وخرجت المؤسستان اجيالاً تولت قيادة دفة عدد كبير من المشاريع الإعلامية التي صدرت خلال الثمانينيات والتسعينيات واستطراداً ما بعد ذلك . والاسف اكبر عندما نشاهد التردي المنهجي لسلوك مالكيهما ازاء المسؤولية التي على عاتقهم .
« الصباح الجديد « تطرح ملف الصحيفتين وما جرى ويجري في اروقتهما وحولهما وموقف زملاء لهم وكتاب رافقوا رحلات تأسيسهما وارتقاءهما . والحقيقة ان المشهد الذي نطرحه يمكن ان يشكل بانوراما شاملة تضم جميع او اغلب ما قيل فيهما من اطراف عديدة . والهدف من نشرنا هذا المف ، اضافة الى ضرورة اطلاع زملاء المهنة في العراق على تجربة كبيرة وما تواجهه والطريقة التي يجري فيها مسار الحلول او العجز عن الحل . وسيجد القارئ الكريم الى أي قدر تتشابه التجارة الاعلامية اللبنانية عن مثيلتها العراقية .. وربما الى أي قدر لا تتشابه ولا تتشارك مع الاخرى في العراق . وطبيعي اننا سنلمس الدروس المستخلصة والفائدة الناجمة عن الإطلاع على نشوء وارتقاء وبالتالي هبوط وفشل التجارب الصحفية الحديثة . ويمكن ايضاَ ان تشير التقارير والكتابات التي يضمها الملحق الى التأثيرات المرتبطة بدور الدول الاجنبية والعواصم الايديولوجية على عمل المؤسسات الاعلامية .
إسماعيل زاير

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة