تمر ولبن.. فوضى ذوات و مصائر

عباس داخل حسن

يسلّط الكاتب خضير فليح الزيدي في كتابه (تمر ولبن).(1) الضوء على الذات العراقية من خلال رصده لسلوكيات وموروثات المجتمع العراقي، انطلاقاً من حقيقة مفادها أنَّ المجتمع حصيلة تفاعلات نفسية وسياسية ودينية، وما الأعراف إلّا نتائج وليست أسباباً، آخذا بنظر الاعتبار ان الفرد هو نتاج المجتمع ولا يوجد تعارض بينه ومجتمعه، من هنا جاءت قراءة خضير فليح الزيدي الإنثروبولوجية في(تمر ولبن) بلغة سردية صافيه هي لغة الروائي والكاتب ذو المنجز الأثير والمميّز في المشهد السردي العراقي المعاصر.
لقد نجح الزيدي في الغوص بمنطقة أهملتها الكتابة العراقية المعاصرة طويلاً، فسبر أغوار الواقع المحلي بالوصف والتسجيل والمشاركة، باحثاً ومستقصياً في موضوعات الأزياء والطعام والمطبخ العراقي، والأهم من وجهة نظرنا بحثه في هندسة البيت العراقي ضمن حقب الجمهوريات الخمس التي حكمت العراق بعد العهد الملكي وتأثير الموروثات الإستعمارية التي مرّ بها العراق، بصفته شاهداً يملك عين الراصد والسارد. نعم لنتصور الآن الذات العراقية الحالية وكيفية دراستها.. كيف ندرس ذاتاً رمادية عائشة في الظلام؟.. أفترض ان تركيبة ذواتنا تحمل في جيناتها ثلاث عناصر معاً.. إندفاع/ انفعال/ عنف». (2)
كما سلّط الضوء على طبقات زمنية «عمرية» ومجوعات تراتبية مكونة من أفراد يقيمون معاً شعائر الانتماء الاجتماعي الديني، وبين هذا وذاك يحدث الإغتراب الذي ينجح المؤلف بجعل مهمته أقرب إلى رسالة الأدب ببساطة، وكيف يتوجب علينا فهم عفويَّة الواقع العراقي وعدم الحكم عليها خارج تلك الرؤية. يتحقق هذا في الماضي او الحاضر بوضع »افتراضات للتصورات والرؤى بشكل من اشكال النص الادبي – السوسيولوجي الباحث في الدرس الثقافي او نقد الثقافي في لوازمه او مفاصله المهمة مستفيداً من عِلم الاجتماع في فرضياته. إذن هي محاولة افتراضية مشحونة بشجن ثقافي نتلمس خطاه هنا أو هناك.. جميع الأسئلة تدور في فلك الذات العراقية الحائرة بين ماضي التراث وحاضر الحضارة». (3)
وهنا ياتي تفرد «تمر ولبن» في انتقاء موضوعات الذاكرة الجمعية وتفكيكها زمنياً ومفصلياً وفق نسق تاريخي مُستّل من الذاكرة العراقية المتجيدة في الشعيرة، البناء، التذكّر والوثيقة، بنظرة إنثروبولوجية قادرة على استنباط منطلقها الداخلي وفهم محدداتها الخارجية ودلالاتها وإعادة تصوير الواقع فوتغرافياً وبصرياً وسردياً، وتسليط الضوء على دلالات بذاتها وأهمال اخرى في الظل من «سير الوقائع اليومية، على ان الدراسات الاجتماعية الحديثة تخلصت من هيمنة المركزي واشتغلت على صياغات وانتاج الظاهرة الشكلية البصرية والمفاهيمية في اطار الهامش الفعال، فإذا كان لون الزي هامشاً فان هيئة الزي تحولت إلى متنٍ مؤثر، وفي حال قلبنا المفهوم بوعي الخفة، فان لون الزي تحول إلى متن عملت عليه الحقبة الثورية الجمهورية بعد عشر سنين من العمل على فيزيائية المشهد البصري – حيث تغيير اللون الرمادي والأسود (السدارة الفيصلية) والكحلي (البذلة الملكية)، إلى اللون الأحمر (اليشماغ الاحمر) واللون الأخضر الغامق أو الزيتوني المصاحب لسنوات الحقبة الديكتاتورية … هي فوضى لوّنية». (4)
من الفصول التي أولاها المؤلف أهمية خاصّة وجاءت على مدى 45 صفحة، أي ربع الكتاب تقريباً، وحسنا فعل، هي «عراقيون في البيت»، والبيت هنا أداة لتحليل النفس الإنسانية كما وصفها جاستون باشلار «أنَّها تحمل في داخلها جماليات الأشياء المخفية وتمهد لظاهرية الأشياء المخفية، والبيت مكان تعلالقي لأنَّنه يحتوي على ساكنيه من الأجسام التي تحتضن الذوات، وهي أماكن بايلوجية أخرى تختزن زمنها مثل جميع الأمكنة «الذاكرة». ومن هنا ينشأ فهمنا العملي للحياة من خلال الزمان والمكان، ولا يمكن الفصل بينهما بتجريد وفق مبدأ الإستقرار المعادي للتاريخ الذي هو ضد الحق والعقل. وعلى الرغم من أنَّ الحديث عن نوع محدد من الأمكنة هنا لكن تبقى القضية الأهم هي تحديد المكان وفهمه في واقعه، وواقع البيت العراقي تحديداً هو بيت يُنبئ عن الاستلاب، بيت معزول عن محيطه الفضائي الذي فرضته السلطات الجمهورية المتعاقبة على الحكم.
«هندسة البيت العراقي الجمهوري من الخارج لا تمت مطلقاً الى هندسة البيت من الداخل بصلة، وهي في الوقت نفسه ليست دالّة على مكنوناته أو كاشفة عنها، فثمّة تقتير واختزال وحجب يصل حدّ الزهد بالجماليات في البناء والتخلي عن المعالم التراثية في الأفاريز والدرف ذات الزخارف النباتية. من الخارج يميل عموماً إلى نمطية الهندسة المعمارية الموحدة المتمثلة بهندسة الهيكل المكعّب، وهو توحيد قسري للخريطة المنزلية العراقية في اطوار الجمهورية، حيث تكون مساحة الأرض مستطيلة الشكل في الغالب ليسهل تخطيط المدن وفق عنصري الإختزال والحجب الاجتماعي الذي تفرضه الرؤية الدينية لقد شوهت السلطات المتعاقبة في العراق الإرث والتراث المكاني ومحت الكثير من الشواهد المعمارية المدهشة وفائقة الجمال نتيجة لسياساتها المتطرفة، الأمر الذي أدى للقضاء على الحدود الفاصلة بين الريف والمدينة نتيجة للهجرة الريفية إضافة لخنق الفضاءات الخضراء وتشويه ضفاف الأنهار فانتكست قيمة المكان الجمالية وتبدّدت ألفته العميقة وتحولت املدن إلى حضائر بشرية.
لقد أولى الإنسان العراقي عبر ماضيه الطويل إهتماماً خاصّاً بتشيد البيوت والمعابد مستفيداً من مادّة الطين المتوفرة تحت قدميه، لكن بسبب الخراب والفقر الذي جلبته السلطات المتوحشة نجد ظهور محلات ومناطق سكن تفصح عن بؤس مدقع وخراب، وعلى الرغم من اطتشاف النفط وزيادة مداخيل الدولة العراقية بشكل جنوني يقدّر بترليونات الدولارات، إلّا ان شرائحاً كبيرة لم تتمكن من امتلاك مساكن أو بيوت حضرية، الأمر الذي أدى لانتشار العشوائيات باطراد خلال العقود الخمسة الأخيرة. كل هذا وتوابعه حدث بالحقبة الكولينالية التي حاولت جلب نماذج حداثية لا تتسق مع الروح العراقية «ان نمط التحديث لم يكن متناغما مع الإرث المعماري الذي ورثته فاصيبت عمارته بالتناشز وفقدان عنصر الهويَّة المحلية. (6)
لم يهمل المؤلف تفاصيل داخلية في البيت كالحمّام والمرحاض والسطوح التي يفترشها العراقيون هرباً من حر الصيف الذي يسلخ الجلود داخل تلك البيوت، كما أنَّه لم يترك شاردة او واردة ضمن حفره الإنثرولوبوجي التطبيقي السوسيولوجي للتصورات المحلية بتفصيلات متوائمة مع وحدة التاريخ للموضوعات التي تعرض لها ضمن سياق تاريخي للممارسات السياسية والإرث الإستعماري. كل هذه التناقضات تبدو جلية في هذا المسح الذي ربما يحتاج إلى سلسلة مكمّلة ليكتمل ويتحول إلى ما يشبه مقدمات ثورية للعقل النقّديّ الخاص بالذات العراقية «حيث النظرة الإنثروبولوجية هي الأقدر من سواها على فهم منطلقها الداخلي وفهم محدداتها الخارجية ودلالتها العامة. (7)
وفي المحصلة فأن الكتاب يُعَدّ جهداً متمفرداً وثرّاً ضمن الموضوعات المطروحة للبحث والتقصي، وربما سيرفده الكاتب لاحقاً بالجديد في هذا المجال الذي قدّم فيه أكثر من عمل، وهو مجال مازال يعاني من شحة المشتغلين عليه عراقياً وجرى إهماله والتصدي له في الأبحاث العراقية طويلاً، وسنفصل أسباب هذا الإهمال في مناسبةأُخر.

الإحالات:
(1) تمر ولبن.. كتاب الذات الجمهورية تأليف خضير فليح الزيدي ـ دار تموز للطباعة والنشر ـ الطبعة الاولى 2011
(2) المصدر نفسه ص 9
(3) المصدر نفسه ص 12
(4) المصدر نفسه ص 43
(5) المصدر نفسه ص 109
(6) المصدر نفسه ص 108
(7) الإنثروبولوجيا ـ تأليف مارك أوجيه/ ترجمة الدكتور جورج كتورهدارـ الكتاب الجديد لبنان الطبعة الأولى 2008

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة