وجع التجربة

في تناولي لشؤون تتعلق بالحزب الشيوعي العراقي، كثيراً ما اصطدم بموقفين يبدوان متنافرين حول الآراء التي اطرحها في هذا المجال؛ غير انهما في الواقع يشتركان في اعتمادهما مبدأ التعميم فيما يعتقدانه من توجهات قطعية وجازمة. الاول يعاتبني بشدة على ما اطرحه من آراء يراها تنال من الحزب والآخر يراها ما زالت تدور في فلك الحزب وآيديولوجيته. الاول يعتقد بأن مواقفه هذه تعبر عن حرصه وتعلقه بحزب فهد والشهداء وغير ذلك من القناعات، من غير ان يكلف نفسه بالسؤال عن علل تدهور مكانة ودور احد اقوى الاحزاب الشيوعية في المنطقة والعالم. الثاني يعد أي تطرق الى الحزب والشيوعية أمراً لا معنى له، لان ملفهما قد طواه الزمن، هكذا بكل راحة بال وضمير..؟! كليهما ينزعجان بشدة ان لم تشاركهما معتقداتهما التي لا يخالطها الباطل، لكن ما العمل ان كانت لامثالنا سبل آخرى في فهم هذه التجربة، وكما قال الشاعر (اسير مع الناس وخطوتي وحدي) ما العمل ان لم تحولني التجربة المريرة داخل صفوف الحزب الى رقم جديد في نادي العداء للشيوعية؟
قبل كل شيء بودي الاشارة الى حادثة قديمة عشتها في بداية نشاطي داخل الحزب الشيوعي، قد تسلط الضوء على كيفية مواجهتي لبواكير هذه القضايا الشائكة. في أحد الأيام من عام 1975 دعاني عمي (خبير المال والاقتصاد) لمناقشتي في ضرورة ترك العمل الحزبي لاسباب علمية واقتصادية محظة (لكن دوافعها الحقيقية خشية العائلة من العواقب الوخيمة التي خبرتها في هذا المجال)، منها انتمائي الطبقي (البرجوازي الصغير). طبعاً نظرياً خسرت الحوار للحجج الدامغة التي اعتمدها عمي آنذاك، وبعد تفكير عميق قررت ترك الدراسة (كنت في الخامس العلمي) وطلبت من الرفاق والأصدقاء ايجاد عمل لي بين صفوف البروليتاريا. وفعلاً عملت في معمل نينوى لانتاج القمصان في شارع النهر لما يقارب العام، وبعدها عدت لاكمال دراستي الثانوية بعد ان اكتسبت تجربة عملية ومهنية وسط الطبقة التي تشكل الحزب من اجلها.
هذه الحادثة يمكنها ان تزيح الكثير من اللبس وعثرات الاستعجال والتعميم لدى كلا الطرفين الممتعضين من مواقف يعدونها متناقضة، كونها شطحت بعيداً عن مساطرهم ومدوناتهم الذاتية حول التجارب اللامحدودة للافراد والجماعات. لقد شاهدنا وتعرفنا على غير القليل من الشخصيات التي انتقلت من دون أدنى وجع من قلب أو عقل او ضمير من هذا المعسكر الآيديولوجي والقيمي الى ضده لتتبع ذلك بسيل من الدقلات المتناغمة والايقاعات الرائجة، وهم بذلك يمثلون جزءاً من ظاهرة عاشتها العديد من المجتمعات البشرية من قبل. ان التحول والانتقال من مواقف الى مواقف أخرى مغايرة، ليست دليل خلل او هشاشة او حيوية على طول الخط، بل ذلك يعتمد على مدى جدية ومسؤولية وشجاعة ذلك التحول، فالتحول المصحوب بالسب والشتائم واللعنات على معسكره السابق، والتبجيل والعشق لمعسكره الجديد، من دون الالتفات للتفصيلات المختزنة فيها، يعني ان ذلك لم يكن سوى طفح عابر لا قيمه له (وغف)، على العكس من التحولات المستندة الى وعي عميق ومسؤول ومرافق لتجربة حقيقية من الكفاح من اجل الحرية وكرامة الانسان، حيث تتناغم تلك الديناميكية وناموس الحياة في سيرورتها وتحولاتها اللانهائية.
جمال جصاني

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة