رحلتي.. مذكرات الرئيس

متابعة الصباح الجديد

صدر مؤخراً عن دار المدى كتاب ( رحلتي : تحويل الأحلام إلى أفعال ) ، وهو كتاب مذكرات الرئيس والعالم الهندي الراحل زين العابدين عبد الكلام بترجمة وتقديم الكاتبة والروائية والمترجمة العراقية ( لطفية الدليمي ) ..

من هو هذا الرئيس ؟؟
ابو بكر زين العابدين عبد الكلام Avul Pakir Jainulabdeen Abdul Kalam : عالم ومهندس صواريخ هندي لعب دوراً رائدا في تطوير برنامجيْ الهند الصاروخي و النووي كما كان رئيساً للهند للفترة 2002 – 2007 ، وهو كاتب وشاعر لم ينتمِ يوما لحزب سياسي وهو الرئيس المسلم الثالث للهند متعددة الأديان والأعراق – رئيس من أقلية مسلمة في بلد يمثل الهندوس غالبيته العظمى ويليهم السيخ إضافة إلى الف وخمسمائة من الأعراق والطوائف والأديان والعقائد الأخرى، أجمعت كل القوى السياسية حتى المعارضة منها على انتخابه فقد رشّح التحالف الوطني الديمقراطي عبد الكلام عام 2002 لمنصب الرئاسة و حاز ترشيحه على قبول جميع الأحزاب بما فيها الأحزاب المعارضة للتحالف الوطني – و بصرف النظر عن كونه مسلماً – بسبب مساهماته العلمية والتقنية في تطوير المجتمع الهندي..

تقول المترجمة في تقديمها للكتاب:
( نشر عبد الكلام مذكراته ( رحلتي : تحويل الأحلام إلى أفعال ) في كتاب صغير عام 2013 ، وهو كتاب إستذكارات جميلة لتفاصيل صغيرة لم يأتِ عبد الكلام على ذكرها في سيرته الذاتية التي نشرها سابقا وهناك القليل من الإستذكارات والحوادث في تلك المذكرات أشار لها الرجل في سيرته ولكن في سياق تقريري يذكّر بالوقائع ، أما في هذه المذكرات فإننا نتلمس منذ البداية العاطفة الجياشة التي تملأ روح الكاتب وعقله وهو يأتي على ذكر تفاصيل ساهمت في تشكيل وعيه المبكر وشخصيته الإيثارية وطموحاته الملحمية العابرة للذات والساعية لتكريس الهند كقوة عظمى على الساحة العالمية .
تمتاز هذه المذكرات بغلبة الطابع الحميمي فيها وتركيزها على الجوانب الإنسانية النبيلة التي تعدّ ضرورة لازمة تفرضها متطلبات العيش وإدامة الحياة في البيئات الفقيرة من عالمنا ، وهنا يكاد المرء يشعر أثناء قراءة هذه المذكرات برغبة عبد الكلام في تأكيد القيمة العليا للجوانب الإيثارية الرائعة التي حازها شخوص كثيرون في حياته إبتداء من أبيه وأمه وأخته وإبن عمه وحتى بائع الكتب في مدراس وإنتهاءً بالعلماء الكبار الذين عمل معهم في وقت لاحق من حياته المهنية …..

رئيس زاهد بنزاهة مطلقة
يوصف (عبد الكلام) بالعالم الزاهد والنزيه نزاهة مطلقة ، ويحظى بين الهنود على مكانة ترقى إلى مرتبة ( المهاتما – الروح السامية) التي يوصف بها (غاندي) حصراً ، وقد حاز (عبد الكلام) بسبب نزاهته وزهده مكانة وطنية وعالمية عظيمة .
تصف المترجمة في تقديمها سمات (عبد الكلام) وعظمة زهده ونزاهته : ( يُعرَف عن عبد الكلام نزاهته المطلقة ونمط حياته المتواضع حتى بعد أن صار رئيساً للهند ؛ لم يمتلك الرجل جهاز تلفاز أبداً كما واظب على النهوض مبكراً عند السادسة والنصف أو السابعة صباحاً وكان يأوي إلى فراشه عند الثانية بعد منتصف الليل، ولم تكن كل مقتنياته في الحياة لتتجاوز عدداً من الكتب وآلة الفينا Veena التي كان يعزف عليها أحياناً بعض المقطوعات الموسيقية الهندية الكلاسيكية ، كما كانت لديه أيضاً بعض قطع الملابس إلى جانب مشغـل أسطوانات مدمجة وجهاز حاسب محمول ( لابتوب ) وقد آلت هذه المقتنيات البسيطة -عقب وفاته في تموز 2015 -إلى أخيه الأكبر ..
يوضّح عبد الكلام منذ بداية المذكرات أهمية القيم الإنسانية العليا في الحياة وأسبقيتها على أية قيم سواها ؛ فيكتب في هذا الشأن قائلاً : من الطبيعي أن يبتهج المرء بإنجازاته العلمية والتقنية الباهرة ، وقد يحصل على أعلى المراتب الأكاديمية والجوائز التي قد ترقى لمرتبة جائزة نوبل ، وقد تنهال عليه الأموال كنتيجة لأعماله البحثية أو التطويرية في حقل ما ، ولكن تبقى سمات الإيثارية وكرم الروح والعطاء والإنتباه لمعاناة الآخرين ونبذ روح الجشع هي القيم العليا التي تمثّل مشكاة مضيئة وإلهاماً مستديماً للكائنات البشرية جميعها في هذه الحياة .

أهمية أن نواصل الحلم
تبدأ مذكرات ( عبد الكلام ) بمقدمة جميلة يحكي فيها عن المسوّغات التي دفعته لكتابة مذكراته هذه ، وتدهشنا تلك السطور الأُول من المقدمة حيث يكتب ( عبد الكلام ) : تحكي رحلتي هذه عن تجارب مميزة ومحدّدة في حياتي إبتداءً من طفولتي وحتى اليوم حيث تجاوزتُ الثمانين ، وفي كل سنوات حياتي تلك وخلال كلّ التجارب التي مررْتُ فيها كان الدرس الأكثر أهمية الذي تعلّمتهُ هو أن المرء ينبغي أن يواصل الحلم في كل الأطوار المختلفة من حياته ومن ثمّ يعمل بجدية ومثابرة في سبيل تحقيق تلك الأحلام ، ونحن إذا ما فعلنا هذا فإن النجاح سيكون قريباً من التحقق لامحالة . أقول دوماً للكثيرين الذين أقابلهم « الأحلام ليست مانراه في منامنا ، بل هي بالضبط ماينبغي أن يجعلنا لاننام أبداً !! « .

بائع صحف في الثامنة من عمره
يروي ( عبد الكلام ) على امتداد إثني عشر فصلاً جوانب تفصيلية صغيرة تكشف للقارئ مدى المثابرة والنزاهة التي جُبِل عليها كلّ من أبيه ، وأمّه ، وشقيقته ، وأبناء عمّه ، وحكماء قريته ، ومعلّمه الأول ، والعلماء الذين عمل معهم في شبابه ؛ فيكتب عن حياته ومعرفته بهؤلاء ليؤكد على فكرة أساسية وهي : أن النزاهة والمثابرة هما السمتان الأعلى مقاماً في هذه الحياة . نقرأ في هذه المذكرات عن المشقّات التي كابدها كل من والد ( عبد الكلام ) وأمه من اجل إعالة العائلة ، وعمل ( عبد الكلام ) في توزيع الصحف وهو طفل صغير لم يتجاوز الثامنة بعد إلى جانب أعباء الدراسة ، كما نقرأ عن الفشل الذي عاناه ( عبد الكلام ) في بواكير حياته المهنية ثم تغلبه على ذلك الفشل بمزيج من المثابرة والرؤية الحكيمة المستبصرة وهو الذي كان يردد: ينبغي ان نتعلم من فشلنا اكثر مما نتعلم من نجاحاتنا ، و يبقى الاجمل بين كل التفاصيل هذه الروح الإيثارية التي نشهدها بين جميع أفراد عائلة ( عبد الكلام ) – تلك الروح التي يطريها( عبد الكلام ) كثيراً ولايفتأ يذكّر بها ويراها السبب الجوهري في صيرورته تلك الشخصية المميزة ذات الوهج الإنساني المشعّ والقدوة الأخلاقية العظيمة .
يختم عبد الكلام رؤيته للحياة – في هذه الكلمات التي جاءت في المقطع الختامي لكتابه وهي نصٌ مدهشٌ مكتوب بروح رفيعة تليق بشخصية نزيهة مثل شخصيته : العمل الدؤوب والتقوى ، الإنكباب على الدراسة والتعلّم ، الشفقة والمغفرة – هذه كانت دوماً أحجار الزاوية في حياتي ، وقد أمكنني من خلال هذا العمل مشاركة الناس بجذور إيماني بهذه القيم النبيلة ، وأحسب في حقيقة الأمر أن أية حياة عاشها المرء على نحو بالغ الثراء والإمتلاء وتحدّث بشأن ثرائها وامتلائها مع الآخرين فإنها ستغدو منجماً من الأفكار والمشاعر التي بوسعها إضافة المزيد من البريق على تلك الأعجوبة التي ندعوها ( الحياة ) . وفي سياق هذه العملية ، إذا ماأتيحت لأفكاري القدرة على منح القرّاء أجنحة تمكّنهم من التحليق بعيداً وتحقيق أحلامهم فأحسبني حينذاك قد أتممت النهوض بأعباء دوري الصغير في مخطط الحياة والذي حمّلني إياه القدر ووضع أعباءه على كاهلي .
تمثّل مذكرات ( عبد الكلام ) كتاباً فريداً في نوعه برغم صغره النسبي ؛ إذ يمكننا بعد قراءة هذا المذكّرات أن نتيقّن من قدرة الشخصيات القيادية ذات النزاهة والإنضباط والعمل الجاد أن تُحدِث انتقالة جوهرية فارقة على مستوى الافراد كما الجماعات وصولاً إلى الأمة بأكملها ،وأرى أن المترجمة أحسنت في اختيارها ترجمة هذه المذكرات الرائعة المكتوبة بحميمية ورهافة قلب وروح هي بعض سمات الأرواح العظيمة في مساعيها النبيلة ، ولعل ( عبد الكلام ) أحد تلك الأرواح العظيمة التي تركت لنا إرثاً إنسانياً يمكن أن يكون مثابة أخلاقية فريدة في عالمنا المعاصر. .
من تلك الأرواح العظيمة التي تركت لنا إرثاً إنسانياً يمكن أن يكون مثابة أخلاقية فريدة في عالمنا المعاصر .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة