من كتاب الانهيار المديد

هذه رؤية جريئة للغاية عن مقدمات بناء الدولة العربية الحديثة وكيف اسهمت الظروف المتداخلة والمتقاطعة للأوضاع في منطقتنا
في اكساء المشروع التحديثي ملامح غير تحديثية . وبالتالي يرسم الكاتب حازم صاغية صورة الاطار المتحكم بتطوير التجربة الفكرية والسياسية والإجتماعية في اوقات متغيرة منحت او سلبت نخبنا مقدرتها على انتقاء مشروعها التحديثي المأمول .
حازم صاغية

سياسة ضدّ السياسة
دخل الشرق الاوسط الى السياسة من باب ضيق وحيد هو الصراع مع الاستعمار هكذا جاءت سياسته مفصولة عن الاصلاح الديني او التنوير او الثورة الصناعية او الثورة العلمية فطالب التاريخ في الغرب يقرأ ماكيافيللي الذي اسس علم السياسة او يدرس معاهدة وستفاليا التي اطلقت في 1648 مبدأ الدولة- الامة من ضمن سياق عام يشمل صعود الحداثة ككل أي سيرورة «نزع التسحير» عن العالم بحسب تعبير ماكس فيبر الشهير. حتى القومية نفسها على ما تدل خصوصاً التجربة الالمانية مع مارتن لوثر كانت خطوة على طريق العلمنة الطويل الذي تعرضت له الحضارة الغربية لكن هذا ما تتعرى منه السياسة في المنطقة الممتدة من النيل الى الفرات التي يمكن ان نسميها الشرق الاوسط العربي شاملة مصر وفلسطين ولبنان وسوريا والاردن والعراق. هكذا لا نعترف الى تلك المنطقة الا محكومة بعد من الملامح البنيوية المختلفة والخاصة بها.
فهناك قبل كل شيء آخر الافتقار الى تطوير قيم ايجابية اجتماعية واقتصادية وايديولوجية فأبناء المنطقة هم «ضد» الاستعمار ولاحقاً الامبريالية ثم اميركا بالتخصيص الا انهم ليسوا على بينة مما هم عليه تحديداً كما انهم لا يعرفون من هم بالتحديد كأوطان وجماعات وعلى ماذا ينبغي ان تتركز هويتهم الوطنية وهذا فيه قدر كبير من الحيرة في عالم حديث خياراته جديدة عليهم وغير مجربة من قبل الا انها مرفوضة منهم بالقدر ذاته.
لكن العداء الى الاستعمار لا يكفي بالطبع تعريفاً للذات كما ان تجنب الاستعمار او التغلب عليه لا يكفيان انقاذاً لهذه الذات خصوصاً ان بلداناً لم يطأها الاستعمار كإثيوبيا وافغانستان وشمال اليمن تبقى من اكثر بقاع الارض تخلفاً وتأخراً.
ولنقل ان الاستعمار كان دائماً تسمية فضفاضة وسهلة اقله في الشطر الاسيوي من الشرق الاوسط العربي حيث البنى الطائفية والعشائرية والاثنية قوية جداً بحيث تكون الايديولوجيات الحديثة بما فيها مناهضة الاستعمار غطاء لنزعات قديمة اخرى فدائماً هناك جيكل الايديولوجي الحديث وهايد الطائفي أو الاثني.
لكن مصر في الاقل منذ نشأة جماعة الاخوان المسلمين في 1928 ثم خصوصاً مع انقلاب 1952 العسكري والشعبوي والحدثان حركتهما مسألة «الهوية» بدأت تقترب من النمط السائد لدى جيرانها العرب الاسيويين وكان من نتائج ذلك تراجع التماسك الذي عرفه مجتمعاً قياسياً بمجتمعات أولئك الجيران ومن ثم فقدانها الدور الذي اكتسبته اواخر القرن التاسع عشر واوائل القرن العشرين حين كانت مهداً ولو ضعيفاً لتنوير المنطقة. وعلى العموم عرف الفكر السياسي العربي قلة اهتمام ملحوظة بالاقتصاد والتعليم والصحة وعدم اكتراث واضحاً بالمعاني والمضامين كما بالنماذج غير العربية الناجحة ودائماً انجذبت غالبيات النخب الى ما سماه ماوتسي تونغ في وقت لاحق التناقض الرئيسي حيث ان الامور المتعلقة بالقيم لا يحين وقتها ابداً فيما يعطى الجهد كله لمحاربة العدو وقد صار هذا التفكير بمنزلة خريطة طريق الى تجنب المسؤولية من عدم صنع أي شيء فالمهم مقاومة الاستعمار والتخلص منه والله يتكفل بالبقية وغني عن القول ان هذه النزعة الخارجية الطاغية هي ما عزز في وقت مبكر نزعة التخلص من السياسة بوصف السياسة تسييراً للاقتصاد والتعليم والصحة وقبل ذلك كل الحرية لقد انتصر دائماً ما هو عابر للحدود على ما هو في داخل الحدود المرفوضة.
ما كان يزيد الامر بؤساً وكوميدية سوداء ايضاً ان الاستعمار الذي انتهى في الواقع لم يمت في اللغة الاساسية العربية وكأن كتابات معظم المثقفين وخطابات بعض السياسيين تصر على تأييده الى مالا نهاية، وهذا ناتج من استمداد التعريف الذاتي من تعريف الخصم بحيث يصير ابقاء الخصم على قيد الحياة الوسيلة الوحيدة للتأكد من بقاء الذات واستمرارها وهو ما حمل على المضي في شتم ذاك الخصم وفي خوض المعارك الدونكيشونية معه بعد انقضاء عشرات السنين على نزع الاستعمار على النحو هذا صح، بموجب هذا الفهم اللا تاريخي للاستعمار ما كان يقال على اللاسامية في بولندا: كلما نقص عدد اليهود زادت الكراهية لهم.
هنا لعبت النظريات اللينينية ثم السوفياتية عن الامبريالية والاستعمار الجديد دورها في تدعيم الوجهة هذه ومادامت الامبريالية والاستعمار الجديد مفهومين اقتصاديين بالدرجة الاولى فان تلك المفاهيم وسعت الهوّة التي تفصل شعوب الشرق الاوسط العربي وبقية العالم الثالث عن الاقتصاد العالمي وحركة الاندماج في السوق لقد كمل التأثير بأدبيات اليسار الميل العربي الضدي العميق خصوصاً ان الماركسية نفسها تقوم على نقد الرأسمالية من غير ان تقدم سوى فكرة ضبابية وغامضة عن البديل الاشتراكي والحقيقة ان قادة الشرق الاوسط العربي تخلفوا حتى عن معظم قادة ورواد النضالات الاستقلالية والتحررية على صعيد القيم فثيو بالدوف تون الايرلندي كان شديد الحماسة لإخراج بلده من حكم بريطانيا لكنه كان متحمساً بالقدر نفسه للتنوير ولتعاليم الثورة الفرنسية وفي الهند اقترنت حماسة غاندي لتحرير بلده من بريطانيا بحماسته لمبدأ اللا عنف مع انه من جهة اخرى ذهب في رفض الانموذج الغربي ابعد مما ذهب عرب كثيرون وقد طور زعيم الصين صن بات صن منذ مطالع القرن العشرين فلسفته البسيطة المعروفة بـ المبادئ الثلاثة للشعب وهي القومية والديمقراطية والرفاه وفي أواخر القرن العشرين ذاته برز نيلسون مانديلا ليس فقط بوصفه رمز عملية انهاء النظام العنصري في جنوب افريقيا بل ايضاً بوصفه الوجه المعبر عن عديد القيم الايجابية والمتنورة وبدورها كانت الحركة الصهيونية وهي الخصم الاول للعرب منذ اوائل القرن العشرين قد قدمت انموذجاً مبكراً عن الاخذ بالديمقراطية واعتماد الانتخابات على اساس النسبية ومنح المرأة حقوق التصويت وهذا قبل دمجها بين الرغبة في اقامة الدولة بين انموذج الكيبوتز لا كوحدة اقتصادية فحسب بل ايضاً كمصنع لحياة جماعة للشبيبة حين كانت تلك التصورات الجماعية ماتزال رائجة كذلك ظهر في موازاة الصهيونية السياسية التي اسسها ثيودور هرتزل ماعرف ب الصهيونية الثقافية التي ارتبطت باسم احاد هاعام وطورت رؤية مخالفة للرؤية الاولى وفي العالم الاسلامي نفسه فان معركة مصطفى كمال اتاتورك لتحرير تركيا من القوات الاجنبية انما مهدت لمعركة لا تقل صعوبة في سبيل علمنة مجتمعه وعرفت ايران في 1906 حركة دستورية شعبية سميت بـ المشروطة كان لها بعض مثقفيها حتى في اوساط رجال الدين الشيعة كمحمد حسين النائيني وهي الثورة التي انشأت البرلمان عبر مصارعة الاستبداد والانتصار عليه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة