بوصلة السماء

في رواية اللوح الأزرق(4)
يقول (الخيام)في رباعية : أردت الذهاب الى ما وراء العرش/ والى ما فوق السماوات/ بحثا عن اللوح والقلم وعن الجنة والجحيم/ ثم سألت ربي واجابني : انظر فيك تجد كل شيء/ الجنة والقلم وللوح والجحيم.
بالضبط هذه هي الفكرة العامة للرواية عند القول: علينا ان ننظر في دواخلنا كي نرى الخارج، وهنا قال الشيخ(ابن سراج): (هذه هي فكرة(ابن برول) الاساسية: الحفر في الباطن وفي الذات) حتى انه شرب الخمر عندما وصلوا حافة اليأس فعاتبه الحبر(صموئيل) لأن الخمر عند المسلمين محظور لكن الشيخ أجابه بأن النبي نوح شرب الخمر حتى السكر عندما أنتهى الطوفان. كذلك تذكروا المغامر(كرستوف كولمبس) وهو يبحر في مغامرة ارتجالية حسب الجميع انها فاشلة لأنه يريد الوصول للهند من الغرب، كما ان القساوسة والكهنة لا يؤمنون بكروية الارض ولا بدورانها إذ يعتبرونها مركز الكون، كما يؤمن الكثير من رجال الدين بأن الارض ثابتة وغير كروية، لكن الاسئلة الكبرى يتداولها العلماء المغامرون والادباء والفنانون لا كما تسأل(مانويلا)نفسها عن السبب والغاية في لجوء(ابن برول) الى هذه الطرق العويصة والمعقدة، ولماذا هو يجهد عقله في رسم وتصوير لغز بكل هذه الصعوبة، وهو يحضر التوراة جنب القرآن والانجيل، هل هو يلعب أم هو مجرد لهو علماء؟ وها هي تتذكر النظرات الاخيرة الحالمة لـ (ابن برول) وهو بطريقه للاعدام وكأن صوت يجأر في صدرها : من أينن حصل على الأجوبة اذا كان الرجل الوحيد القادر على ذلك قد تحول الى رماد في محرقة محاكم التفتيش؟ ثم راحت تضحك وتبكي من أساليب التعذيب في الغرف المظلمة والمحاجر والكهوف التي تمارسها محاكم التفتيش وان أحد اساليب التعذيب اسمه(الحلم الايطالي). ما تزال الكثير من أساليب التعذيب هذه تمارس في الجوامع اليوم كما كانت سابقا في الكنائس، حيث تتفتق عبقريات سادية في فنون التعذيب وانتزاع الاعترافات وهم يدرسون تشريح الجسد البشري ويتوصلون الى معرفة اسرار الألم وكيف يكسرون أمشاط العظم وكيف ينتزعون خلايا اللحم وكيف يدسون الخل في الجروح؟
تقودنا الرواية الى ان الله لا يحتاج الى أديان بعد رحلة الشفاء الروحي حين أحكم(ابن برول) رسم خارطته المعقدة والعويصة الاقتفاء، كما أحكم تصميم ألغازه وأحاجيه التي تقود الى اللوح الازرق، لا الى الاديان والفراغ والمتاهة التي تعود وتجر البشرية الى متاهة اخرى. لا وجود للصدفة ولا يوجد ارتجال في تقصي الآثار الروحية شبر شبر ثم العثور اخيرا على كلام الله، وها هو الحبر(صموئيل) يقرأ كتاب السفر في اللوح الازرق حين تشع الحروف والكلمات عن آيات من التوراة، وعندما يقرأ القس الشاب(فراغاس) تسطع الحروف والكلمات بآيات من الانجيل، ثم يقرأ الشيخ(ابن سراج) في نور اللوح الازرق كلمات مضيئة من آيات القرآن.
هكذا يكتشف الجميع ان الله لا يسجنه دين ولا ينحصر بين حروف كلمات، وان الطريق أليه لا يحتاج الى دليل من رجال الدين فجميع الطرق تؤدي الى الله. رواية اللوح الازرق مرايا لأيمان الشخص تختلف الوجوه باختلاف نوع الايمان، لكنها ليست مرايا الكسل واللامبالات والتسليم والجهل، بل هي مرايا سرية يجري البحث عنها هناك في أعماق الروح.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة