انجذاب واسع لمشاهد «الموت»على الإنترنت

مع ارتياب بشأن الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال
واشنطن ـ وكالات :

عندما يشاهد الملايين مباشرة عبر الانترنت انتحار طفلة، يكونون قد استسلموا لرغبة قديمة لدى البشر بمتابعة «استعراضات الموت»، وهو ما يؤججه سيل الصور المتداولة حول العالم ويشكل مصدر ارتياب بشأن الحد الفاصل بين الحقيقة والخيال.
في 30 كانون الأول ، نشرت طفلة في الثانية عشرة تسجيلاً مصوراً مباشراً عبر الانترنت تم التقاطه بواسطة هاتف محمول مدته نحو أربعين دقيقة يظهرها في حديقة تعلق حبل مشنقة على شجرة قبل انتحارها.
وقد تم تداول التسجيل المصور على نطاق واسع في خلال بضعة أيام من دون تمكن الشرطة من تطويق انتشاره.
الفيديو الأساسي للعملية لم ينشر عبر خدمة «فيسبوك لايف» بحسب ما أوردت في البداية وسائل إعلامية عدة لكن على منصة أخرى، على وفق متحدثة باسم المجموعة الأميركية في فرنسا.
وتم تشارك التسجيل في وقت لاحق عبر مواقع التواصل الاجتماعي بما فيها «فيسبوك».
وقبل هذه الفتاة، أقدمت شابة في التاسعة عشرة من العمر في أيار 2016 على الانتحار رامية بنفسها على سكة للحديد في ضواحي باريس وموثقة خطوتها بنحو مباشر عبر تطبيق «بيريسكوب» للتسجيلات المصورة.
وتعج شبكة الانترنت بتسجيلات مصورة أخرى لحالات وفاة مصورة بنحو مباشر تجذب مئات ألاف المشاهدات. ويمكن متابعة قنوات متخصصة عبر «يوتيوب» لحوادث السير المروعة الموثقة بواسطة كاميرات مراقبة أو آلات تصوير موضوعة داخل المركبات، إضافة إلى حالات عدة لأشخاص توفوا مباشرة على الهواء خلال برامج تلفزيونية.
وخلال السنوات الأخيرة، وثقت كاميرات المجرمين أو الشهود جرائم قتل عدة انتشرت التسجيلات الخاصة بها بنحو كبير على مواقع التواصل الاجتماعي. وهذه حالة مطلق النار الذي قتل مراسلة ومصوراً صحافياً في ولاية فيرجينيا خلال صيف العام 2015, إضافة إلى إطلاق نار في دالاس في السابع من تموز قتل خلاله خمسة شرطيين و عملية أخرى قام خلالها شرطي بقتل أحد السائقين خلال عملية تفتيش.
وفي نهاية كانون الأول في الولايات المتحدة، تعرضت أم شابة في الخامسة والعشرين من العمر مصابة بالسرطان كانت تصور حياتها يوميًا، لوعكة قاتلة عرضت مباشرة عبر «فيسبوك» من دون قيام أي من المشاهدين عبر الشبكة بالاتصال بهيئات الطوارئ بحسب الصحافة الأميركية.
وخلال اعتداءات تشرين الثاني 2015 في باريس، انتشرت تسجيلات مصورة عبر الانترنت التقطها شهود.
وقد استغل تنظيم «داعش « هذا الانجذاب لمشاهد العنف عبر نشرهم تسجيلات مصورة لعمليات إعدام وحشية يتم تداولها على نطاق واسع.
ويلفت عالم الاجتماع المتخصص في شؤون الاعلام فرنسوا جوست إلى أن «الموت يمثل مع الجنس أحد الموضوعين اللذين يجذبان اهتمامنا.. لكن هذا الموقف المتفرج يؤشر إلى فقدان الحد الفاصل بين الخيال والواقع. الشاشة تخلق مسافة مع الحدث تجعله مقبولاً، ما يمثل مصدراً لعدم التأثر».
ووصفت الفيلسوفة الايطالية ميكيلا مارتسانو في العام 2007 ,في روايتها «الموت الاستعراضي» الأثر السلبي للتسجيلات المصورة لمشاهد الوفاة التي تحول برأيها المعاناة استعراضًا.
ويشير استاذ علم النفس الاجتماعي في جامعة غرونوبل الفرنسية لوران بيغ إلى أن «مستعملي الشاشات يعلمون إن كان ما يرونه حقيقة أم خيالاً، لكن ردود الفعل الناجمة عن هذه المشاهد الحقيقية تأتي مخففة».
ومع ذلك فإن المنحى لمتابعة المشاهد المأسوية موجود منذ القرن الماضي، والدليل على ذلك نجاح مصور الأخبار المتفرقة ويجي بفضل صوره الدامية أحيانًا لجثث من مسارح الجرائم في نيويورك.
ويلفت أستاذ علم النفس الفرنسي إلى أن «أكثر من 15 مليون شخص شاهدوا إعدام الصحافي دانيال بيرل على يد عناصر تنظيم القاعدة في العام 2002. وفي السينما، من أصل 800 فيلم ضخم تم انتاجه خلال العقود الخمسة الماضية، 89% منها تحوي مشاهد عنف».
ويذكر بأن «الدماء كانت تسيل في المجتمعات قبل فترة طويلة من اختراع الشاشات».

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة