متى يصبح الإعلام مهنياً مُصالحاً ؟!

تعمد كل الفعاليات الحكومية والمجتمعية ؛ على تكريس الممكنات لكشف الغموض وتوضيح الإلتباس، والسعي بجدية الى رتق الهوة، وتمكين المجتمع الى العمل الجماعي؛ بتشخيص الأخطاء والبحث عن حلول، ويأتي الإعلام بدور سلطة رقيبة وممثلة للشعب، وهذا لا يعني سكوتها عن ظواهر سلبية في المجتمع، وما دورها في تشخيص الأخطاء؛ إلا لتقريب وجهات النظر في حالات الإنقسام.
دور الإعلام اصلاحي؛ في مجتمعات تشوبها الخلافات السياسية والإجتماعية، ويعمل على تعميق المشروع الوطني؛ بعيداً عن التمايز والتأثيرات.
يعتمد الإعلام على حرية الرأي والإستقلال للتعبير بواقعية، وما تشخيص الأخطاء إلا للبحث عن حلول تنطلق من الحاجة الفعلية، ويتعامل مع المراحل بأدواتها، وما ثورة المعلومات وشبكات التواصل الإجتماعي؛ إلاّ كسلاح بحدين؛ يفسد في مجتمعات أفسدتها الأطاريح السياسية؛ أكثر من فوائد نقل المعلومة وتقارب وجهات النظر.
أدت كثير من المنقولات الإعلامية؛ الى سعة الهوة وتعميق التشظي، وطعن ما يؤسس لبناء قواعد مصالحة، ولم يرتق الخطاب الى مسؤولية إبعاد المجتمع عن التناحر، والمطبات التي حفرتها السياسات وحفزتها الدوافع الشخصية؛ لتنحدر الى مسالك الظلم والطغيان والإستبداد وإثارة الحروب، ولم يسهم الإعلام بنحو فاعل على إيجاد مشتركات لخطاب تعايشي تصالحي تسامحي، وعلى رأسه ساسة بين محركي وسائل إعلام او متملقين مبوقين.
مشكلة معظم وسائل الإعلام أما سيئة الإدارة او ضعيفة الموارد، والأولى؛ تأتي بأشخاص غير مهنيين همهم إرضاء سادتهم وأرباب عيشهم؛ فيضرونهم أكثر مما ينفعوهم، وأما ضعيفة الموارد، فتلجأ الى وسائل بدائية او إعلام حزبي، او الحاجة تدفع إعلامييها الى الإنخراط في مشاريع؛ وأن كانت تضر مؤسستهم او المصلحة العامة، وما قراءاتهم للواقع إلا سطحية، لا تتعدى الحصول على وافر المال من المؤسسة بما يخالف توجهاتها، وأما الإعلام الوطني فبين مخالب سوء الإدارة وضعف الموارد ومن يعيش بين دويّ وصراخ الفضائيات.
إن الإعلام يعتمد على الإستقلالية والحيادية من المواقف السياسية؛ في حال كان الميول ضررا على الجمع، وكشف للوقائع لكشف غموض الحقوق وآليات بناء ثقافة الديموقراطية، وإيجاد معالجات بإحترام رأي الآخر، وتمهيد لمفهوم التعايش السلمي والمصالحة والتسامح، وخلق أجواء من المحبة بين ابناء الشعب الواحد، وإبعاد شبح الحروب والتناحر، وكشف وسائل التحريض.
واجب الإعلامي أن يتلقف الثقافة من تاريخ شعبه ومشتركاته، ويستعمل الوسائل التي تبعث الإثارة الوطنية، لا إثارات تخالفية لمناهج إعلامية مسعورة.
المجتمعات تقوم بتاريخها وحضارتها وشخصياتها، والسلطات يقودها الوطنيون وأن طال إنتظارهم، والتواريخ تسجل دائما في ذاكرتها؛ تلك المشاريع الكبيرة التي تبني الأوطان ، ولا نجد من يحتفظ بذاكرته او مذكراته أقوال الشواذ والمتحاربين بلا حق؛ بل تضعهم الأوطان في صفحاتها السود ان لم تتهمهم بالخيانة؛ لذا يتحدث التاريخ عن ساسة المصالحة والتسامح ولا يتحدث عن مثيري العنف والفرقة والفتنة، ويُقال أن الإعلام مهني إذا إستطاع صناعة أجواء المحبة ونسيان الثارات، وبث روح الإندماج وقبول الآخر، وتعميق الحوار والإشارة الى الصواب، ووسائل الإعلام العراقية كثيرة؛ إلاّ ان طالحها أكثر من صالحها، ويجد المتابع أنها تتندر وتتفنن في تزويق وتشويه الحقائق، ولا تبحث عن نبذ الكراهية والمصالحة والتعايش.

*كاتب عراقي
واثق الجابري

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة