بوصلة السماء

في رواية اللوح الأزرق(3)
ان رحلة البحث عن كتاب السفير في اللوح الازرق هي رحلة متاهة تغص برموز واشارات بين الكلمات وبين سطور رسائل(ابن برول) المستعارة من التوراة والانجيل والقرآن، هي رحلة خاطر فيها هؤلاء المغامرين الثلاثة بحياتهم وعائلاتهم وسمعتهم، رحلة جنون يشبه ما يصيب العشاق من جنون الحب.
الرعب الكنسي ورجال الدين كتاب السفير في اللوح الازرق بثلاث شعب: فهو رعب الاحبار اليهود من بطلان دينهم وانهيار بناء روحي شيدوه بالحروب والدم قرن بعد قرن. وهو رعب القساوسة المسيحيين من العثور على اللوح الازرق وقراءة كلمات الرب في كتاب ولد منذ فجر الزمن وبعد خلق السماوات والارض وبعد ظهور الكلمة الاولى، ربما يكون فضيحة للكنيسة ورجالها ومحاكم التفتيش والحروب الصليبية، هو رعب انهيار الصرح الروحي بعد كل هذا الجهد الايماني لقرون طويلة. وكذلك هو رعب رجال الدين المسلمين لئلا تحمل رسالة كلام الله في اللوح الازرق نكران للقرآن وإبطال لنبوة محمد وتجاهل لدين الاسلام، ويذهب كل شيء عزيز ويكتشف الناس عبثية الحروب الدينية والفتوحات والغزوات والغنائم والسبايا، تنهار مئات السنين فوق رؤوسهم. إذن هو رعب الاديان البراهيمية من كلمات اللوح الازرق فربما تفضح الايمان الخرافي ويكشف السراب والوهم والدجل، هل يحمل كتاب السفر انتقام الله من الاديان الثلاثة، ويعري فسادها وجهلها ويكشف عبثية بحار الدم التي سالت بسبب تهورهم ورعوتنهم؟
هكذا يضع الكاتب(جيلبرت سينويه) القارئ أمام رعب انهيارات سماوات الغيب ويحصره عند منعطفات تاريخية حرجة وخطرة، يورط القارئ في الرحلة والسفر مع المغامرين الروحيين الثلاثة ويعاني معهم فك الالغاز ومحنة إيجاد مفاتيح الاسرار مع كل خطوة للباحثين الثلاثة، خاصة ونحن نتوغل في الصراع والدراما والسردية عندما يسرق خادم الشيخ(ابن سراج) مخطوطة(ابن برول) ويسلمها لكبير المفتشين، الذي يدير مهرجانات حرق البشر، ويتفق هذا المفتش العام مع الملكة(ايزابيل) لأقناع صديقتها(مانويلا) ان تمثل دور الشخص الرابع الذي اختاره(ابن برول) وسلمه رسالة منه حول البحث عن مكان اللوح الازرق. وهكذا تأخذنا أحداث الرواية في تصاعد المد السردي الى الذروة عندما ترافق(مانويلا) الشخصيات الثلاثة كجاسوسة، ترسل ما يحدث وما يكتشفون خطوة بخطوة، لكنها تقع في غرام القس الشاب(فراغاس) وتتجاذب حبال الحب بينهما وتنعقد، كما انها تكتشف بأن هؤلاء الثلاثة من أعظم البشر في سبر اسرار العلم وكنوز المعرفة وفي غاية الخلق والادب والحب والتسامح بحيث لم تشاهد في حياتها انصهار جميل للاديان البراهيمية الثلاثة بعذا الشكل الفريد والمدهش إلا عند هؤلاء العلماء الثلاثة خاصة وان الحبر(صموئيل) والشيخ(ابن سراج) عرفا من لحظة الاحتكاك الاولى سيماء الحب وضياءه بين العاشقين حتى انهما راحا يضحكان وهما يصفان الحب : بعثرات القلب.
يحاول كتاب(اللوح الازرق) مد الجسور الروحية والثقافية والاجتماعية بين الاديان السماوية الثلاثة من خلال التماهي والذوبان للشخصيات الثلاثة مع بعضها رغم وجود تنافر مزاجي سطحي سرعان ما يختفي ويزول فيرجعون الى غاية رحلتهم ووجودهم وعلة خلق الحياة ولماذا يعيشون ويموتون بعيدا عن مزاج الرب الغاضب في إغراق الارض بالطوفان وفي دمار بابل وسدوم عمورة ومسخ امرأة لوط الى تمثال ملح وكيف انشق البحر الاحمر امام موسى وما حل بمصر من كوارث. الرواية بحث عن التسامح والغفران ومسح آثام البشر وتحمل ذنوبهم والموت من أجلهم كما المسيح.
نصيف فلك

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة