الكتابة

تظل الكتابة لعبةً خارج المألوف، وأيةُ محاولة لتجاوز هذا التوصيف سيضعها في سياق آخر، ويُخضعها لمماثلة قسرية، وهذا ما يعمد إليه الكتّاب الذين يعرفون قدر الكتابة، ويمارسون من خلالها وجودهم وحياتهم، وربما سكناهم كما يقول الفيلسوف هيدغر..
الكتابة هي الفن الأمهر في اللغة، فهي حيّزها التعبيري، والسيميائي، مثلما هي أثرها وحافظتها، وهو ما جعل البعض يؤمنون بأنّ الكتابة هي أعظم اختراع بشري، إذ أعطتنا مجالا لنعرفَ قصص(الأولين) بأساطيرهم وملامحهم وأسفارهم وسيرهم، ولندرك قيمة التراكم في المعرفة، وشحذ الوعي للتواصل والكشف..
بالمقابل نجد من يستهين بهذا الاختراع النادر والسحري، فيجعل من الكتابة خديعة، وتضليلا للآخرين، وتعويما للأفكار، حدّ الإباحة لها، والتجاوز على أهليتها المهنية والبلاغية والجمالية، وبما يجعلها مثارا للسخرية، وإفقارا لحمولتها الرمزية، وهو ما نجده للأسف في الكثير من(الكتابات) التي أوهمت نفسها عبر وسائط متاحة، وسهلة، لكنها تفتقد لما يجعلها فاعلة وحقيقية في صناعة الرسالة وفي ايصالها، وحتى في صناعة متلقيها، لأنّ الكتابة الحقيقية تصنع قارئها، وتدفعه الى اللذة والمنفعة والتواصل..
الكثيرون منّا يتذكرون بورخس، وعلاقته بالمكتبة، أي علاقته بالكتابة، حيث أسهمت المكتبة في صناعة أبراجه، وخيالاته الكبيرة، مثلما جعلته قريبا من عالم متخيّل، يُصدّق الآخرون ما فيه من أسرار وطلاسم وحكايات، وهنا يكمن السحر، حيث يتحول الجمال المكتوب الى أفكار وصور قابلة للتصديق وللتداول، وهو ما نجده عند الكثيرين من صنّاع الصدق المكتوب، أولئك الذين يأخذوننا عبر الكتابة الى عوالم فائقة، والى تلمّس أرواح تشع بالبهاء والنور والجمال والمعرفة، ولعل أبرزهم الفيلسوف جاك دريدا الذي وضعنا أمام عالم الكتابة، بوصفها تصريحا بالوجود، ومجالا للتفكير، وعتبة اجرائية لمعرفة العالم..
الكتابةُ تحققٌ وتسام، وحيازة علنية للمعرفة، وبهذا فإنها أكثر من يمنح الوعي قدرة على التشيؤ في النصوص، وفي ابتكار المزيد من الأفكار، وفي صناعة أثرها، والسيطرة على زمنها، فلا زمن ثقافي خارج الكتابة، فهي بيت الفكر، وحضوره، وهي حمولته وسيولته، وقيمته الناجزة عبر ما يُكتب من أعمال فنية ومعرفية وعلمية، والتي تطال البحث عن الحقيقة، إذ تكون الكتابة هنا هي التوجيه والمجسّ، وهي التاريخ أيضا، فالتاريخ الذي نعرفه هو المكتوب، أي هو الذي تحفظه الكتابة..
لكن هذه الكتابة قد تكون –أيضا- خيانة، حين تتحول الى مادة للسيطرة والتشويه والقتل، وحين تفتقد الى ماهو جمالي وانساني، فحين تُختزل الكتابة الى جهاز للتوصيل، فإنها تفتقد حساسية ما فيها من إبداع وتميّز، إذ يتجوهر الإبداع عبر الإزاحة والتأويل والاستعارة والكناية والمجاز، وكل أدوات ناجزة في الكتابة، حتى وإن كانت منطوقة، لأن الكتابة تحفظ أثرها وتداولها..
لا يوجد للكتابة بمعناها المعرفي أيُّ تعريف حقيقي، وإذا كان البعض يضعها في سياق وجودها كعلامات ورموز وحروف، فإنها في السياق ستكون هي القوة الجامعة والعابرة للتعريف، والمُحفزة على البحث عن معانٍ خبيئة وأنساق مضمرة، أو عبر حيازتها على بنى سطحية وبني عميقة كما يقول تشومسكي، وهذا ما يُعطي للكتابة قوتها في أنْ تحفظ وعينا وتحفظ وجودنا..
علي حسن الفواز

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة