أفساد ذائقة أم فساد شعر؟

د.ثائر العذاري

نشرت (الصباح الجديد) الغراء في (ثقافية) عددها الصادر يوم 13/1/2017 مقالا يبدو لي مهما وصريحا للناقد (جمال جاسم امين) بعنوان (هذه خطابة لا غير!)، وبوصفي قارئا أشاطر الكاتب قلقه على الشعر وتشخيصه لأزمته، غير أن ثمة أمران في المقال دفعاني للكتابة معقبا لا رادّا؛ أما الأول فهو قول الأستاذ جمال (في الغالب ينشط مثل هذا المنحى عندما تتردى الذائقة ويغيب الشعر الحقيقي)، فقد بدت لي هذه العبارة شبيهة بجعل القتيل والقاتل شريكان في الجريمة، ومحاكمتهما معا.
من يصنع الذائقة أصلا؟ وكيف تتكون الذائقة الجمعية؟ إن الجيل الذي نشأ وهو يسمع الجواهري ويقرأ السياب ونازك وسعدي والصائغ والعامل وغيرهم ما زال يمتلك ذائقة سليمة.
أما الأجيال التي نشأت في زمن غيبت فيه هذه الأصوات وعمد المتحكمون بالميديا إلى تلميع أسماء شعراء مزوَّرين لتحل محلهم، وإغراق الشاشات والسماعات والصفحات والمنصات بشعر شعبي تعبوي أو مداعب لغرائز المراهقين، فذلك جيل أفسدت ذائقته بفعل فاعل، فالشاعر وحده هو من يستطيع إفساد الذائقة أو إصلاحها، وليس لنا أن نلوم الجمهور أو نتهمه.
هل المهرجانات وشاعر المناسبة هما سبب (تردي الذائقة)؟ أقول واثقا كلا، ففي العراق خصوصا لم يكن الشعر حاضرا قدر حضوره في المهرجانات من العباسيين إلى اليوم. ألم يكن الرصافي والزهاوي والجواهري شعراء مهرجانات ومناسبات؟ لكنهم نظموا شعرا استوعب عصرهم ونطق بروحه وقال ما كان يريد الناس قوله ولكنهم لا يقدرون. أولئك صنعوا جمهورهم وكونوا ذائقته الجمعية التي جعلته يتابع نتاجهم ويبحث عن مهرجاناتهم. كذلك جيل رواد قصيدة التفعيلة الذي استطاع خلق جمهور بذائقة تدفعه للدفاع المتحمس عن رؤيتهم الشعرية الجديدة حين استبدلوا الصحف والمجلات بالمهرجانات.
وأما الأمر الثاني فهو تعريف الأستاذ جمال الرائع للشعر في آخر مقاله الذي دفعني لأن أزيد عليه القول؛ أنت شاعر حين تستطيع أن تقول ما حاولت أنا القارئ كثيرا أن أقوله ولكني عجزت، وأنت شاعر حين تستطيع تعطيل الخداع البصري الذي يشوش رؤيتي للكون وتجعلني أرى جوهر الأشياء عاريا من غير زيف. وعندها ستصلح ذائقتي وأكون من قرائك والباحثين عنك. أما حين تمطرني بعبارات أشبه بشفرات العساكر لا تكشف شيئا ولا تعرض رؤية يمكنني مشاركتك فيها فهذا ما لا يستطيع صنع جمهور ولا ذائقة.
لا أشك أن الغموض سر من أسرار جمال الشعر ولكن أي غموض؟ إنه، فقط، الغموض الذي يخفي تحت معطفه السميك رسالة سرية مهمة، الغموض الذي يشعر القارئ بالمتعة والبهجة ولذة الاكتشاف حين يفك رموز تلك الرسالة ويكتشف أنها موجهة إليه. أما الغموض خالي الوفاض الذي يلهي القارئ في فك عقد الخيوط التي تزرر معطفه من غير طائل ولا يصل إلى أية رسالة فهو محض هذر لا شعر.
كل شهر تطبع أطنان من الورق على إنها مجاميع شعرية، ويقدمها كتابها هدايا مجانية إلى زملائهم الذين أشك أنهم يقرؤونها. وما يصل منها إلى المكتبات يتكدس ولا يجد من يبتاعه.
لقد علمتني تجربتي في القراءة أن النص لا يوجد ولا يولد حقا إلا حين يكون قادرا على أن يجد من يقرؤه، وحين يفشل في ذلك فهو ميت ووجوده كعدمه.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة