تمظهرات الترنّم في حضرة الصمت في نصوص طلاسم العطش

د. نادية هناوي سعدون

تتمرأى قصيدة النثر في نصوص( طلاسم العطش) للشاعرة منور ملا حسون في هيأة ترنيمات وجد وتراتيل اشتياق ووجد، يشاطر فيها الصوت الصمت ارتدادا وانعكاسا وهذا ما يحيل القصائد إلى مراتع للهيام الصوفي والوجل العرفاني الذي يمنح القارئ نشوة علوية ودفقا وجدانيا يجعله يسوح في فضاءات الأمل والشوق والتلهف مبصرا الفضاء بعين الطائر ليبدد الحداد ظلا ويحبل الوجع نشيدا والطيف سرمدا والانكسار شكيمة.
وبهذه تتحقق وظيفة الشعر الأزلية ألا وهي تطهير النفس من أدرانها والارتقاء بها من اليومي بآهاته وآلامه وسوداويته إلى الجمالي الحافل بنقائه والمحمل بفيض الالق والعنفوان، وهكذا بدت النصوص كتداعيات صوتية وارتدادات ترنمية وأناشيد روحية لا يقيدها تناسق تفعيلي ولا يحدُّها أسر القافية واشتراطاتها.
ولعل المسحة الجمالية المهيمنة التي ربطت النصوص بخيط موضوعي وعضوي واحد هي مسحة المراهنة الذاتية على توظيف الضمائر لاسيما ضمير الخطاب ليغدو الآخر حاضرا جنبا إلى جنب الأنا متجسدا معها كمحاور تناجيه أو كغائب تصطفيه ضيفا وكوهج تستنطقه رفيقا في حلكة الدجى.
وإذا ما أحصينا متون ( طلاسم العطش) لوجدنا ان أصوات الخطاب تفوق اصوات التكلم والغياب وأن الخطاب عادة ما يكون مناجاة من الأنا لنفسها أو مونولوجات تستحضر فيها الانا مرآة ذاتها لتستبطن دواخلها، ولا عجب أن يستدعي تواجد الأنا حضور الآخر في معادلة لا تقوم إلا على وجودهما معا فالأنا تبث هواجسها لعل الآخر يسمعها فيلبي نداءها.
ولقد عمل الاشتغال على ضمائر التكلم والغياب في تحقيق التعاضد نفسه الذي حققته ضمائر الخطاب حوارا وتناجيا سواء أكان ذلك على مستوى النص أم كان على مستوى ما بعد النص اعني استعمال التناصات التي بها يتم استحضار مرجعيات أسطورية وتاريخية وقرآنية وشعرية مما لا تكاد أن تخلو قصيدة منه:
وإذ اعتلاها صخب الدخان
انتفض نيرون من رقدته
وقناديل المآذن تنوح ص22
ولقد توغلت البنية النصية الداخلية حافرة في الأغوار والبواطن على المستوى الموضوعي منتهجة الترميز مائلة صوب المخاتلة والإغماض في حين تمظهرت البنية النصية الخارجية صوتا يتعاضد مع الصمت تواليا وتواترا وهذا ما عزز رمزية النصوص فالصخب والنواح مرمزات سمعية تقرب المسافة الجمالية للتلقي حيث الانا تغور موغلة في الواقع متلمسة آلامه ومدركة لوعته.
ويصبح التعاضد بين البنيتين الداخلية والخارجية تبعة من تبعات النزوع الصوفي نحو الترنم صوتا وصمتا ارتدادا وبزوغا همسا وترتيلا كما تلتحم أصوات الخطاب وأصوات التكلم إفرادا وجمعا وتتناغم مديات الصدى بالارتداد والتهافت وباللون والانعكاس سماعا وبصرا.
ولا يقتصر الخطاب على متون النصوص بل إنه يطال العنوانات الفرعية بقصدية إشهار الأنا لرغبتها في استنهاض الآخر نديما ورديفا كما في قصيدة( زلزلْ لأولد ثانية) فامرية الطلب تفصح عن توق الانا ورغبتها في استعادة غدها بإفاقة الآخر وبث العزيمة فيه:
يا خشوع النبي دانيال
زلزل لاولد ثانية
كي تقلع الأوتاد الآسنة عن جسدي
أيها الساكن في الزمن المقفل
أفق
لمن يغتال امسك ويستبيح غدك ص28
وقد تتعالق في النصوص اسماء أماكن وأنبياء وأساطير لتعزز النزوع الصوفي وتضفي مزيدا من البزوغ للعشق الروحي الذي ترتجيه الانا فيكون الترنم وكأنه صدى من غناء أو هالة من ضياء وزهو :
وأنا اغزل أحزاني
منحتك دموعي
فامتلأت فضاءاتك
زهوا
بأنين غنائي ص29
وفي انتشاء الأرواح إرواء لرمق الأجساد وإنقاذ من لظى العطش وامتلاء بالدعاء فتتجلى الأرواح وقد تنصلت من الظمأ وأشبعت شوقها ولهها كما في نص( في عتمة ضياء ارجواني) :
في مساءات الرعب :
ربما تتعبين يا عروسة التبر القدسي
لكنك لن تخلعي
رداء الضوء الأرجواني
..وترددي أناشيد الدم
..
لنعلن بدء ميلادك من جديد ص23
وما نشيد الدم إلا صورة صوتية تصدح بالتفاؤل وتتحول إلى يقين ليظل التطلع قائما كي تولد محطات جديدة من الأمل :
لان طقوس حبك البلوري
..
طقوسك القابعة
في أعشاش ذاكرتك التي
لن تحجبها الحروف والأسماء
..
يحاصرك الشوق
إلى ندى فراديسك الصامتةص24
ويظل الصوت ملازما الروح متقدا بالأماني مشبعا بالامتلاء نافضا الخواء ماسحا الفراغ بالضياء كما في قصيدة( بك أحيا وبك أموت) وقصيدة( طويت أشرعتي) وهي ترى الآخر كتابا وصحائف وحلما يتدحرج لينفض الصمت ويهمس محاورا بأناشيد وأغان:
كرهت أقفاصك الوردية
فلن تحلق أجنحتي في
مدارات همسك
كنت أغنيتي الأولى
وسر قصائدي ص47
وقد يستحيل الآخر وطنا مغتالا متوجعا بالانين ومتدثرا بالشهادة كسمفنونية شكلتها ترانيم الانا وتراتيلها كما في نصو ( صحوة زمن) و(الراحل صوب الخلود) و( همسة للوطن):
ألا تبَّ
من اراد نحر الشمس
في عين وطن تحرسه تراتيلي ص45
وتتحول المدينة كركوك في قصيدة( هذيان حلم مؤجل) إلى وطن متسع للجميع وخارطة لا متناهية ويعلو صوت الحكي في الأنا يقينا سرمديا يتلاشى عبره السكون ويغادره الصمت وتتوالى مسموعات( تحكي/ الحان / هذيان / حكايا/ صوت/ قرعوا/ الناي ) ويظل الصوت رديفا للروح يملأ جوف ظمئها بالكلمات وتتعالى دالات الصوت وتتهاوى مقابلها دالات الصمت :
مر من أزقتها
حاملا قيثارته وقوفي شعره
….
مزقوا القوافي
فبكت مطالع القصيد
وضاع الوتر ص57
وقد يتحول الخطاب من الانا الى الانا مناجاة وتداعيا مونولوجيا طويلا كما في نص( سيدة الكبرياء) فالانا تستنهض نفسها وتبث فيها العزم بالافعال الامرية ( انهضي/ اعتلي/ امنحي / ابعدي/ هبي/ افتحي / امسحي ) كما تتوالى النداءات( يا اثمن / يا نخلة/ يا سيدة/ يا لبوة/ يا سنبلة/ يا ابنة العرق) لتزيد في همة الأنا وثقتها بنفسها وقدرتها على بلوغ مطامح الغد الرحيب.
ولا تخلو النصوص من قصائد الومضة التي تجمع التكثيف اللفظي بالاختزال الصوري مع المحافظة على التدفق الشعوري نفسه الذي تبلغه قصيدة النثر .
وتشير العتبتين في نصي(بوح) و(صمت الجرح) إلى مراهنة الأنا الصوتية في اتخاذ العلنية صدحا وبوحا ميدانا للولوج الروحي ومرتعا للهيام الوجداني الذي تداري الأنا فيه ولعها وتضمد جراحها.
ولا تنفك الأنا تراهن على القصيدة التي تنفض عن كاهلها الصمت والخفوت وتبني قاعدتها على الصدح والهمس والحكايا والآهات فهي القيثارة وهي الانثى التي ما استكانت ولا خابت لأنها المترنمة دوما بالصخب :
هي خنساء العصر
تنقش خدود دفاترها شعرا وحكايا
تلملم اهات الوطن
وتغزل بالصمت احزانها
..
قوافينا التي تخصنا
ترانيم والحان من عطرنا ص39
وإجمالا فإن قصائد الشاعرة منور ملا حسون تبنى من شطرين احدهما الصمت والآخر الصوت فيتعالى الهمس والبوح وتغدو الأنا حاضرة دوما محاورة الاخر بالخاطرة مرة ومناجية إياه مرات، مترنمة بتداع شعوري شفيف وبولع أنثوي وتجل صوفي..
وباجتماع الولع والتجلي تتمظهر القصائد في بناء عضوي متوحد يتعاضد فيه اللفظ صورة والمحتوى ترنما وضوءا لتغدو القصائد من ثم فضاءات تشيع التفاؤل وتزيد الزهو بغد آت بالأمل والورد والصفاء.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة