تدوير السرد في رواية لعبة المغزل

أحمد ضياء

كاتب تمازج بين الحياة وأخذ يدور في تكشفاتها الإستلهامية وفق هواجس الإبداع السردي المموسق بين طيات شخصياته السردية. نعم أنه الكاتب الاريتيري (حجي جابر) الذي إنتهك عذرية الحدث الروائي والميتا روائي من خلال سبكه اجتراحاً جديداً كونه يجعل من لحظة الحدث أكثر من واحدة ويصح أن نطلق عليها بأسم تدوير السّرد وهي التمدّدات التي تحصل في النص بعدّها مجالاً لانبثاق حقيقية الاجترار الكتابي كونها نموذجاً حياً للميتاسرد وبه تأخذ الأشكال فعلاً مغايراً بناءً على الحالة السّردية المعلن عنها في ثنايا العمل، إذ يشمل التدوير السردي اليافطة الأولى من الكتاب بعد العنوان باباً أساسياً لتلقي المحتوى الروائي فيختار الكاتب تسميته بـ (لعبة المغزل) لان الأحداث تظل تدور في نفس المضمار الذي يبدأ تبدأ به وهي حالة ذكية اجترحها الكاتب كما ان الفعل اللعبي مع مصاحبة الحركة الدورانية غير المنتهية لا تستمر لجهة معينة ولان استمرار هذا العمل في التفاف دائم جعل الكاتب الميتارواية أو التدوير السردي يقبض على الأحداث من خلال فعلية الفلاش بك من خلال عبارة «ولليلة الأخيرة دائماً مذاق مختلف» وهي يشهرها أمامنا منذ الشريط الأخير المفتتح البصري للتدوير وبالعودة إلى نهاية الميتا رواية هذه نجد ان الكاتب جعل الشريط الأول في نهايته مختتماً هذا الشريط بالعودة إلبداية أيضاً فإذا به يقول «هذه الحياة مملة أكثر مما ينبغي» لذا فأن منسوب الكتابة اللعبية للميتا رواية بات صفراً.
لم يكن الحدث واحداً بل كان متشظياً ومتوزعاً في المتن الكتابي حيث السّارد (الفتاة) تبدأ بالتحاكي والاشتباك مع الجدة التي ظنت في بادئ الفعل انها جدتها الحقيقية لكنها تكشر عن وجهها الثاني في نهاية هذا التدوير السردي ويحاول السّارد الرئيس (حجي جابر) ايضاح وجهة بلده ويعلن عن مواقفها أزاء السلطات الحاكمة والتي تمارس التعنيف والإستبداد فويق هذا المجتمع العاجز عن المقاومة لذا نجده في أحد مواطئ الرواية يعمل على تدوير الحدث الوثائقي فبعد أن عثرت على وثيقة تخدمها في الكتابة ذهبت إلى الجدة لتقص عليها هذه القصة كما الآتي:
«فهي تحكي عن مطرب شهير كان يتطوّع بأن يجوب بلاد العالم ليُحيي حفلات بين الإرتيريين يجمع على إثرها الأموال التي تذهب لشراء الأسلحة وما تحتاجه الثورة. استمرّ عمل المطرب لسنوات عديدة، وكان بذلك يتجنب المشاركة في القتال مكتفياً بالسفر والغناء. لكنه لم يتوقف عن هذا الحدّ، فقد كان يطالب باستمرار بزيادة حصته من مداخيل حفلاته، وكانت قيادة التنظيم تذعن دائماً لمطالبه حتى لا تخسر مورداً هاماً. وكثيراً ما وعدته بمنصب رفيع بمجرد نيل الاستقلال، حتى تكبح جشعه، وحتى لا يفكر بالغدر والاستقلال بحفلاته لصالحه الشخصي.
ما إن جاء التحرير حتى رجع على الفور يسأل عن المنصب الموعود. ولمّا كان التنظيم لا يُعيّن إلا أصحاب الكفاءات العالية، فقد كان من المستحيل تقليده منصباً هاماً، وهو مجرد مطرب لا يملك إلا صوته الحسن.
غضب المطرب مما اعتبره غدراً من قبل القيادة فاعتزل الناس، وهناك من يقول بأنه حمل أسرته وغادر البلاد خاصة أن أمواله التي جمعها طول سنوات الثورة توفّر له حياة كريمة في أي بقعة يقصدها» ص70-71..
من هنا يبدأ التدوير السردي المشار إليه سابقاً لان هذا الحدث يعد هو حدث الوثيقة لذا استطاعت (الفتاة) أن تقص هذا الحدث وتمنتجه ضمن إطار مابعدي يشمل ما هو تسجيلي متعلق (بالاشرطة والوثيقة) التي بدأ الحدث يبث من خلالها على اعتبار أنه الخطاب الأساسي أو الرئيس، لذا نجد أن نظرية الوثيقة والحكّائين صعدت بهم الأفكار ليجعل منها بنية ذات طبوغرافية خاصة وخارجة عمّا هو مدون لذا تشرع الجدة بتدوير الحدث نفسه كما في المقطع أدناه :
«لم يكن المطرب طامعاً في منصب، بقدر ما كان ينطلق في عمله من رغبته في خدمة الثورة بالشيء الوحيد الذي يحسنه. وهذا ما جعله وفيّاً لعمله طوال عدة سنوات. فكّر كثيراً في ترك الغناء والتوجه إلى ميدان القتال، لكنه أيقن بالنهاية، إنه لن يتمكن من خدمة الثورة بأفضل ممّا يفعل الآن.
حين جاء الاستقلال، عاد إلى البلاد وقد أدرك أن مهمته انتهتْ على أفضل وجه. لم ينشغل كثيراً بما رآه من تهافت رفاقه على المناصب الحكومية. آثر الإنعزال عن كلّ ذلك الصخب، لكنه لم يكن يتسامح مطلقاً حيال أي اعوجاج في مرامي الثورة. هذا الأمر ألّب عليه أصدقائه قبل الخصوم. تعرض لتهديدات كثيرة بالسجن أو التصفية، خشي على أبنائه، فقرر مغادرة البلاد إلى السودان، حيث استقر في كسلا التي كان قد أشترى فيها بيتاً من مدخراته التي جمعها أيام النضال» ص73-74.
وإن الحكاية التهكمية لو صح القول عليها التي بدأت بسبر بواطنها الجدة كانت على خلاف ما جاء في النص الأصلي مما ولدَّ قراءة ثانية للحدث تعتمد على الأولى بوجوه مختلفة وصياغات غير التي وردت ثم بدأت الجدة التدوير في مرحلة رئيسه أخرى جعلت للحكاية تمظهراً آخر حيث السّرد المتتالي للحدث بعد أن طلبت الفتاة أعادتها بطريقة مغايرة فنجدها:
«لم يكن المطرب تابعاً لأي تنظيم إرتري، كانت الثورة وجهته الوحيدة. لهذا لم يكن يقبل بتقاضي أي مقابل نظير حفلاته حول العالم، إلا ما يكفي إعاشته وتنقلاته. ولأن الثورة ظلّتْ نصب عينيه حتى بعد تحقيق الاستقلال، لم يكن يرضى بخيانتها مطلقاً. وحين زاد الغضب منه أدرك أنه سيسجن لا محالة ودّع عائلته الصغيرة، وجلس ينتظر سجّانه الذي لم يتأخر كثيراً خشيت زوجته على مصير أبنائها بعد اعتقال زوجها، فقرّرت الهروب إلى كسلا السودانية، حيث عملتْ في مهن وضيعة كي تعيل أبناءها، وهم الذين لم يترك لهم والدهم شيئاً يستندون إليه، فقد فاته في خضم بحثه عن الاستقلال أن يدّخر شيئاً لنفسه» ص74-75.
إستطردت الفتاة في الحديث مع جدتها وبعد إعجابها الكبير بما قامت به الجدة من تدوير للحدث الميتا روائي فما كان منها الا أن طلبت من جدتها أعادة صياغة الحكاية وفق ما تنطوي عليها فكرتها وتضمن منعطفها الحكائي مفتاحاً لم تكن الجدة حسبت حسابه ابداً لذا أبدت إعجابها بما سطرت لها الفتاة من حكاية مغايرة الأمر الذي دفعها إلى أن تخبرها أنت الآن على العتبة الأولى الصحيحة في تدوير الحدث وإعادة إنتاجه ضمن الإتجاه السلطوي الذي يرغب في توضيح شفراته الكاتب.
«غاب المطرب عن الأنظار والكل يظنّه مسجوناً، بعد أن ابتلعتع الثورة التي ناضل من أجلها. كان الناس يشعرون بالأسى لمصيره ومصير أسرته التي بعثرها الشتات والفقر في بلد غريبة. وحده كان يعرف أنه أختطّ طريقاً مختلفة. فقد استخدمه النظام للإيقاع بخصومه. زرعه في عنابر المقبوض عليهم من تنظيم منافس، يستغلّ مظلوميته المعروفة للجميع ليطّلع على نوايا السجناء وينقلها إلى النظام، في المقابل كان النظام قد وفّر له غرفة معيشة مرفّهة، يرتادها كلما أوقع عليه الضباط عقوبة السجن الانفرادي, لم يبد الأمر انقلاباً كبيراً في سلوك المطرب، فطوال مسيرته الفنية، كان عيناً للتنظيم على خصومه مستفيداً من قناعة الجميع أنه لا ينتمي إلى أي فصيل» ص75.
ولأن العمل عن أشرطة مسجلة إستطاع أن يوفر مدى إنشائياً ينتقل به من لحظة إلى أخرى بفعل المدونات الشفاهية أي (الشريط) وفي مستهل الرواية نلحظ الكاتب ينبئنا بالحدث النهائي لأنه يعنون الصفحة بـ(الشريط الأخير) ويتولى السّارد مزج الحكايا وتداخلها الميتا روائي عبر سياسة الافهيم البطرياركي تارة وأخرى مستجيباً للتحولات التي تطرأ على أصناف من العمل لتصب في التكوير المستقبلي للمشاريع الانعاطفية لتكوين السّرد المغاير. والمنعطف الروائي السردي للحدث أخذ يمكيج قابلياته اللعبية عبر العديد من الاساليب والمكونات التي تأتى على أساسها مصطلح التدوير كون الافهيم الكتابي كون مغزله بمكان أوسع من الفضاء الروائي عبر احالات سياسية عامة وكذلك ضمن صيرورة العلاقة مع (الرئيس) المهيمن على الأحداث الوثائقية من جانب آخر.

مقالات ذات صلة