الكتابة بطبيعتها ومقاصدها ورطة وجودية

سعد محمد رحيم:
حاوره: سلام مكي

سعد محمد رحيم. الروائي الفائز بجائزة كتارا للرواية العربية، وصاحب ثمانية منجزات في السرد. أصدر مؤخراً ثلاثة كتب: اثنان حول المثقف وآخر حول السرد وسحره: هل تورّط سعد محمد رحيم في التنظير مثلما تورّط في الرواية؟ وهو تورّط جميل بالضرورة.
ـ الكتابة بطبيعتها ومقاصدها ورطة وجودية.. باختيارك أن تكون كاتباً كأنك تقرر اللعب مع العواصف، وتتهيأ للمفاجآت.. فحوى الكتابة هو التدخل في شؤون الآخرين.. التنظير جزء من اللعبة. والكاتب الأديب شاعراً وسارداً يضطر، أيضاً، أن ينظِّر بهذا القدر أو ذاك، ليرمم الثغرات في ما يكتب.. لا كتابة تخلو من ثغرات، ومن مناطق معتمة ومن فراغات، طالما كان الأمر تعاطياً مع اللغة. واللغة كما نعلم منطقة انزلاقات على طول الخط، وارتجاجات لا تنتهي. والمناورة معها وبها مغامرة ليست مضمونة النتائج دائماً.. شخصياً لست منظِّراً بالمعنى الأكاديمي، ولا أمتلك المؤهلات، ولا حتى الرغبة لأغدو منظِّراً.. لي آراء، عبر رؤية ذاتية، في الكتابة، وفي شؤون الحياة، أسعى أن أحيلها إلى نصوص ذات نسيج سردي غالباً. لكن العالم يجري من حولي بصخب وفوضى، وتزداد أعداد الضحايا. وهناك في كل لحظة تهديد لمكاننا وبيئتنا الحيوية، ولقيم الإنسانية الكبرى التي نؤمن بها، ولحاضرنا ومستقبلنا. وهذا ما يجبرني على أن أقول شيئاً وأصرخ، فضلاً عن النص السردي، بالمقالة والدراسة والتعليق والعمود الصحافي. ويصادف أن يكون هذا القول في صيغة تجريدية، تنظيرية أحياناً.. ولكن ما يخفِّف من ثقل التنظير لديّ هو تفكيري الدائم بالوقائع، وبصور الحياة التي أضمِّنها كتاباتي. أما في النقد فأميل إلى الجانب التطبيقي مستثمراً بعض مقولات المدارس النظرية بتصرفٍ تمليه قناعاتي ومن غير الخضوع الأعمى لها. ومن نافل القول التأكيد بأنني لا أضع نفسي في خانة النقّاد.

– قلت في مدخل كتاب (سحر السرد): إننا بشر بقدر شغفنا بالسرد. ألا تجد أنك تبالغ ؟ وحتى قول رولان بارت: «إننا في الحقيقة أحياء، ككائنات حية، بقدر بقائنا مهتمين برواية القصص لبعضنا البعض». وهو القول الذي دعمت به قولك أعلاه. ألا تجده مبالغاً فيه؟
* السرد هو الصيغة المثلى للتواصل بين البشر.. وكلما التقينا بالآخرين نبدأ بالحكي الشفوي، وهذا سرد.. السرد ينقذنا من التوحّد ويمنحنا حسّ المشاركة، ويتيح لنا فهم تجاربنا، وإعادة صياغة خبراتنا المتراكمة. إنه الوسيلة الإنسانية الأرحب والأكثر ملاءمةً لتحقيق الحب والصداقة والحميمية، وبلورة المعارف وتعلّمها.
حين أحدد كلمة (السرد) لا أقصد فقط السرد المكتوب.. يذهب تفكيري هنا إلى الحكي اليومي، الثرثرة التي نمارسها طوال الوقت مع بعضنا. ما تتناقله الناس من حكايات شخصية وحكايات الآخرين، وما يحدث لهم، وقد يتبِّلونها بالخيال في أحايين كثيرة، أضف إلى ذلك الكذب والتلفيق والغيبة والنميمة وهذه ظاهرات بشرية بامتياز، وكلها جزء من الممارسة السردية التي لا يستطيعون الفكاك من أسرها. هل يمكن تصوّر طبيعة عيشنا من غير أن نحكي قصصنا للآخرين ونستمع إلى قصصهم؟ لماذا يتلبّسنا الشغف بالقصص منذ سنواتنا المبكرة؟. لماذا نحكي لبعضنا بعضاً قصصاً طوال الوقت؟. لماذا تخنقنا الأسرار ونشعر أن علينا التخلّص من ضغطها على أذهاننا ونفوسنا؟ هذه هي دينامية السرد كما يمثّلها فضولنا وتوقنا إلى المعرفة.. عبء الواقع لا يمكن إزاحته عن كواهلنا إلا بعدما ننقل للآخرين تفاصيل ما حدث.. السرد هو ما يكيّفنا مع رعب الزمان والوجود، ومع الجانب المبهم من الحياة.
نعرف أننا كائنون في العالم عبر أجسادنا ولغتنا.. مع اللغة اجتازت البشرية الكهف والغابة نحو تخوم الحضارة. وطوّع الإنسان اللغة ليستكشف موقعه في الوجود.. السرد هو الصورة اللغوية للحياة.. تيار الحياة هو ما يجب أن يسري في لغة السرد.. ما نكتبه من نصوص سردية هو صورة أخرى يُفترض أن تكون متقدِّمة ومنظّمة برؤية خاصة لما نتداوله من حكايات.

– عنوان كتابك: (المثقف الذي يدسّ أنفه). استعارة ذكية منك لتوصيف حالة المثقف الذي نريده. هل ترى أن الظروف مؤاتية للمثقف العراقي كي يدسَّ أنفه؟ وهل هناك محددات وقيود ترد على المثقف ليمارس وظيفته ضمن السياقات العامة؟
• المثقفون يدسّون أنوفهم طوال الوقت في الشأن العام.. أن تكتب مبدياً رأيك بقضايا مجتمعك وعالمك فهذا يعني أنك تتدخل وتشاكس وتقاوم.
لا يبحث المثقف عن ظروف مؤاتية ليدسّ أنفه، ويقول كلمته.. بالعكس، فالظروف غير المؤاتية هي التي ترغمه وتحفزه على أن ينطق بالحق في وجه كل سلطة تجعل من الظروف غير مؤاتية للبشر كي يتحرروا وينعموا بالعدالة والجمال..
نعرف أن هناك معوقات ومصدّات وقيود تحول دون حرّية المثقف وحركته. وهنا التحدّي.. أنت تدسّ أنفك لأن أشياء كثيرة حولك ليست على ما يرام.

– ما رأيك بالموجة الجديدة من الروايات التي ظهرت خلال الثلاث سنين الأخيرة، والتي حققت نسب مبيعات كبيرة، حسب إحصائيات دور النشر؟ خصوصاً وأن مؤلفيها شباب، يكتبون الرواية للمرة الأولى.
• شيء مفرح أن ترتفع نسب بيع الكتب في بلادنا، وأن يقتني الشباب روايات يكتبها من هم في أعمارهم، ويجدوا من يستطيع التعبير عن هواجسهم وأحلامهم.. هذا هو الوجه الإيجابي والطبيعي من الأمر، وهو بلا شك لافت ومهم. فلكل جيل كتّابه وفنانوه ومفكروه. والبيئة الثقافية العراقية على الرغم من كل شيء خصبة وولود.. وإذن لا غرابة في أن ينجب العراق أدباء وفنانين ومفكرين في العقود المتوالية عبر التاريخ. غير أن هناك وجهاً آخر لتلك الحقيقة، وهو أن المائز والمتفرد من تلك الروايات، بمعايير فن الرواية، محدود جدًا.. يقولون ليست هناك معايير صارمة للكتابة الروائية.. هذا صحيح، لكن الرواية ليست حقلا متاحاً لكل من يقدر على رصف الكلمات والجمل.. وفي النهاية، لحسن الحظ، يستطيع القارئ الذكي أن يميز بين ما هو جيد، وما هو مفتعل وسيئ من الروايات.. الخوف هو أن يخرِّب الأدعياء ذائقة بعض القراء، وأن يخدعوا قسماً من الجمهور المثقف. وهذا يحصل الآن.
أنوِّه إلى حقيقة أن بعض الإحصائيات ملفّقة وغير دقيقة، الهدف منها الترويج لكتب بعينها.

– ظهرت مؤلفات كُتبت على أغلفتها: رواية. وهي بالحقيقة لا تملك أبسط مقومات الرواية، وبرغم ذلك أثارت جدلا واسعاً داخل مواقع التوصل الاجتماعي والصحف. هل لكم موقف منها؟ وأين دوركم أنتم أبناء السرد، لإبقاء السرد ساحراً ؟
* بصراحة، لا أريد أن أضع نفسي في موضع القيّم، والحَكَم، على نتاجات الآخرين، ورأيي في الموضوع وضّحته في أثناء إجابتي على السؤال السابق.. الرواية منزل مفتوح الأبواب والنوافذ، وكل من يريد ربما يستطيع الدخول إليه، لكن من ينجحون في عبور متاهاته بحذاقة قلّة قليلة.. ليكن هناك تجريب دائم في الكتابة الروائية، وهذا سيفرز من بين الركام أعمالاً جيدة، ويكاد ذلك يغدو قانوناً عاماً.. وأعتقد أن ما يحدث عندنا يحدث في كل مكان.. آلاف الأشخاص في العالم يغامرون بكتابة ما يعتقدون أنها روايات، ومعظمها يذهب أدراج الرياح.. سهولة الطباعة والنشر، والدعاية التي توفرها مواقع التواصل الاجتماعي ووسائل الإعلام، تفضي إلى تسويق أعمال رديئة. وما يساعد في هذا أيضاً، هو ضعف النقد، وضياع المقاييس التي تحدد الجودة الفنية والقيم الجمالية، وتحلل عملية النسج الروائي بمتنه الحكائي..
نقلت في كتابك: (أنطقة المحرّم) مقولة لسلمان رشدي: واحدٌ من أكثر أعمال الاستسلام خسّة في التاريخ اذا ما ترك المثقف مهمة رسم العالم لرجل السياسة. الا ترى ان المثقف العراقي ترك للسياسي والديني مهمة رسم العالم وانكفأ على نفسه؟
ـ لم ينكفئ المثقف العراقي على نفسه.. بالعكس، هو يكتب ويقول كلمته عبر وسائط الميديا ومواقع التواصل الاجتماعي وقنوات النشر المختلفة. لكن الخلل كامن في الطريقة، في الإستراتيجية.. مشكلة المثقفين العراقيين، للأسف، أنهم يعملون فرادى غالباً.. المثقف العراقي كائن مستوحد لا يجيد العمل الممأسس، أي الاشتغال في ضمن جماعة منظّمة، لها رؤية وبرنامج عمل.. روح الأديب الذي يرغب بالعزلة تغلب لديه على روح الباحث الذي ينسِّق عمله في إطار مؤسسة.
السياسي ورجل الدين لهما مؤسساتهما القوية والفاعلة في الساحة الاجتماعية.. إنهما مؤثران لهذا السبب، فهما يخاطبان الإنسان الاعتيادي مباشرة بلغة مبسّطة ومسطّحة تدغدغ مشاعره العفوية، وتؤثر فيه وتحرِّكه.

– دعني أسالك عن أسماء من جيلك حققت حضورها الروائي، هل تراهن عليها في تغيير المشهد الروائي؟
* بصراحة، لا أريد ذكر أسماء كي لا أنسى أحداً فيزعل.. ولست من الداعين إلى التقسيم العقدي للأجيال، وأرى في سبيل المثال أن من بدأوا الكتابة في عقدي الثمانينيات والتسعينيات، وحتى عام سقوط نظام صدام واحتلال العراق (2003) يشكِّلون جيلاً واحداً، وهو الجيل الذي أنتمي إليه.. الجيل الذي عانى أكثر من غيره وتمرّغ بالتباسات التاريخ والسياسة، من غير أن ينتمي حزبياً في الغالب، على عكس الجيل الذي بدأ بالكتابة في ستينيات وسبعينيات القرن الماضي تحت مظلة الأحزاب، وفي الغالب أيضاً. وفحوى الانتماء ها هنا، كما أعنيه، هو الانتماء الفكري الإيديولوجي، لا التنظيمي المباشر.. في هذا الجيل الذي ما يزال فاعلاً في الساحة الثقافية العراقية نبتت مواهب كبيرة، في الشعر والسرد والنقد.. في السرد أكثر، لأن العصر غدا عصر رواية.. ظرف نهايات القرن لم يوفر بنية تحتية ملائمة لنشر الروايات، مثلما حصل فيما بعد. ولهذا فجيلي نشط في الكتابة الروائية نسبياً خلال السنوات الأخيرة، وأضاف للمكتبة العراقية ما نفخر به. وأعتقد أنه سيواصل الكتابة بهاجس إبداعي حداثي في الأعوام اللاحقة.

– أين دور النقد في قراءة نصوصك الروائية؟ هل تعتقد أنها أنصفتك؟
* نعم، كانت هناك متابعات صحافية وقراءات نقدية كثيرة لكتبي التي أصدرتها سواء السردية منها أو الفكرية.. وربما كنت أكثر حظاً من كثيرين غيري، في هذا.. وبطبيعة الحال تتفاوت تلك المعالجات نوعياً بين ناقد وناقد آخر، ومتابعة وأخرى، لكن جميعها مثلما أرى كان ينطلق من محبة صافية للأعمال وصاحبها، وينطوي في الوقت نفسه على رؤى موضوعية، أو قريبة منها.. أنا من النوع الذي تثيره ملاحظات النقاد والقراء، وتجعلني أفكر بها وأقلق بشأنها.. وأقرأ ما يُكتب عني بحرص.. هدفي هو أن أتعلم مما يُقال ويُكتب حول أعمالي.. يسكنني تلميذ أبدي ولا أدري إن كان هذا يعد علامة جيدة أو سيئة..
في العراق نقاد كبار، لكن ليست لدينا، في الأقل منذ الفورة الروائية، حركة نقدية فاعلة وشاملة، تستوعب الأعمال الصادرة وتحلِّلها وتقوِّمها وتضعها في ضمن المكانة التي تستحق. وجيلنا أنجب نقاداً أقل بكثير مما أنجب شعراء وساردين على عكس الأجيال السابقة، مما تسبب باقتحام الطارئين، وأرباع الموهوبين، بكثافة، لحقل الأدب.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة