الرواية العراقية بعد 2003

حميد الربيعي

الحراك الثقافي وورش العمل والحوارات المتواصلة في السرد تنبئ بأن ثمة مخاضاً جديدا تخطو نحوه الرواية العراقية .
فالتغيير الذي حدث في العراق عام 2003 كان حدثاً جللا ، وعلى جميع الأصعدة ، بدءا من بنية المجتمع وطبيعة السلطة ، وصولا إلى البنية الثقافية ، التي كانت سائدة أبان المرحلة السابقة ، فكان لابد أن تتأثر الرواية العراقية بهذا الحدث ، باعتبار الرواية هي الوعاء الذي يعكس حالة الناس وطباعهم وتطلعاتهم ، بما يختمر بهذه الذوات من انفعالات ورؤية وأفكار .
الرواية أكثر الأجناس الأدبية التي أدركت التغيير وبما أليه الوضع ، فانتقلت من حضن السلطة إلى مكانها الطبيعي ، بان يكون المجتمع هو الحاضنة ، من هذه النقطة تفجر المخزون التراثي والفكري ، بما تعتمل به الذات العراقية من انطواء وتخلف والتوقف عن محطات تاريخية في الصيرورة الحتمية .
كانت الرواية السباقة في رصد وتوثيق وإعادة بناء للأفكار والآراء التي كانت مكبوتة في العهد المباد ، لهذا تفجرت في بناها السردية كل أشكال التمرد على مؤسسة السلطة والمجتمع ، باعتبار أن م ال أليه الواقع العراقي كان بسبب كلا الطرفين ، السلطة والمجتمع ، فلقد مارسا أشكالا مختلفة من عرقلة التطور و التحضر .
لقد بدأت الحكايات تظهر بعد عام 2003 وهي متشظية بكل الهم العراقي ، بما فيها من مخلفات الحروب والحصار والكبت والموت . في المراحل الأولى لهذا السرد كانت الرؤيا الفكرية غير جلية ، لما ستؤول أليه حركة المجتمع أو بما يريد أن يقوم به السرد من مساهمة في بناء منظومة معرفية ، وقد رأينا ذلك الكم الكبير من الروايات التي صدرت ، فقد قيل أن أكثر من 300 رواية طبعت قبل عام 2010 .
انا اعدّ هذا التاريخ مهماً في مسيرة الرواية العراقية ، بما تمخض عنه من استقرار شكلا معيناً في السرد ، وهو الذي سيكون اللبنة الأولى لما يسمى لاحقا بالرواية الجديدة ، التي أخذت على عاتقها الكثير من القضايا ، سواء في المعالجة الفنية أو طريقة تناول الثيمات ، التي يزخر بها المجتمع العراقي .
أن أنعتاق الرواية من سلطة الدولة ودخولها في حضن المجتمع فرض عليها في المرحلة الحالية مسؤوليات جساماً في تجذير الوعي المعرفي المستقبلي لحركة المجتمع .
أن الإرث المعرفي والسردي للأجيال التي رسخت شكلا محددا في مجال الإبداع يتطلب ، عما فيه من أعاقة وادلجة وتقريرية وحكي ، النزوح إلى أفاق جديدة ، تجعل من هموم الإنسان ، بذاته واستلابه وتغربه وانعزاله وأميته وفقره ، لتطل على الجانب الثري في حياة الفرد ، من ناحية أعادة صياغة الواقع والفرد ، على وفق ثقافة تأخذ بهذا الإنسان نحو قيم روحية ومدنية ، تقارب فيها إحساسه ، بما يتطلع أليه من حياة سوية .
أن التشابك بين الواقع المتهري والتاريخ المحتقن بحوادث ماضي الأمة ، من ناحية تراكمه ورسوخه وفرض ايقوانته و رموزه ، يتطلب من الرواية فك هذا التشابك وإعادة جزيئات الواقع إلى مكوناتها وهمومها ، وأيضا أعادة صياغة الإحداث التاريخية بما يتوافق مع تطلعات الإنسان من قيم حضارية وبناء المستقبل ، يتم هذا من خلال منظور معرفي ، قادر على غربة الوقائع أو شطبها أو السخرية منها أو لفظها خارج سياقات الثقافة القادمة .
أن التفسخ الحاصل في بنية المجتمع ، نتيجة أرادة التغيير والتي أصبحت بيد الناس ، وتعدد أوجهه، قد كشف عما كان يعتمر في داخل هذه المجتمعات من كيانات واثنيات وتعددية ثقافية ، حاولت الدولة عبر مراحلها الماضية طمسها أو إلغاءها أو تهميشها ، بيد أن الرواية بأفقها المعرفي لابد ان تأخذ بهذا التنوع الحضاري المتعدد في بنية المجتمع وتجعل منه مادة للسرديات الكبرى ، التي تتطلع أليها في رسم واقعها المستقبلي .
لقد حاولت الرواية الجديدة تجاوز الواقع ، بما فيه من معوقات ومهيمنات ومحرمات ومحظورات ، في محاولة لإعادة خلقه سردياً وجمالياً ، وبما يوفر للإنسان التمتع بمباهج الحياة ، فلقد كانت المرويات ، والتي شكلت الثقافة السائدة على مدى الحقب الماضية ، تمثل اعاقة لمرحلة التغيير مما تتطلب أزالتها ، من خلال طرح سرديات جديدة ، تقارب الإنسان ، بذاته وتنوعه وتقدمه وبناء وجدانه الجديد ، على وفق رؤية إنسانية وحضارية ، لهذا تسعى الرواية الجديدة إلى الخروج من مظلة المدارس السردية السائدة ، نحو تأسيس بنيتها المعرفية والتقنية ، بما يؤهلها إلى طرح رؤية سردية ، تمسك بزمام أزمنتها وأمكنتها وثرائه الحياتي وتقارب تطلعات الإنسان في كينونته الوجودية ، بما يجعله في تناغم مع حياة جديدة ، في بيئة نظيفة ، مستثمرة ما في الحياة من إمكانات مادية و تقنية ، بانطلاق المجال لتحرر الإنسان من قيوده التاريخية والمجتمعية .
لقد أدرك الساردون أن ضيق أفق اللغة واستعمالاتها في الثقافة والحراك وارثها البلاغي والنحوي وعدم مجيلاتها إلى التطور الحاصل في ميدان المعرفة ، يفرض على الرواية ، إضافة إلى كسر الرتابة ، الخروج بتوليفة أكثر عصرنه ، فانه أيضا يتطلب أعادة الصلة مابين السرد والإنسان، من ألفة في مجال اللسانيات ، من حيث نوعية التداول والتطور في استعمال اللغة في شكل السرد القادم.
تقف أمام الرواية العراقية الكثير من المعوقات والمهيمنات المجتمعية والتي تمنع انطلاقها ، فالوضع السياسي والأمني ونوعية الخطاب الديني ، الذي يطرحه الإسلام السياسي ، الذي يمسك بزمام السلطة ، ستضع كلا الطرفين في معادلة مجتمعية أخرى ، أتمنى شخصياً أن لا تصل الأمور إلى حد التصادم ، فلابد للدولة وسلطتها من أدراك أن الحراك الثقافي ، الذي يتولاه السرد ، لابد من إتاحة الفرصة أمامه ليكون احد المسهمين الفاعلين في بناء دولة حديثة ومدنية ، في هذا المجال على الرواية العراقية الاستفادة من الطاقات المتاحة حاليا ، محليا و إقليميا و عالميا ، من جهة الطباعة والتوزيع والترويج والمسابقات وحقوق ملكية واشتهار ، لتبقى علامة مميزة في ثقافتنا .

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة