رواية يوليانا.. أناقة اللغة والصورة

في بنية الكتابة
علي لفته سعيد

تبدو رواية «يوليانا» للروائي العراقي نزار عبد الستار الصادرة عن دار نوفل / هاشيت أنطوان اللبنانية (2016) مختلفة عن رواياته السابقة في بنائها السردي برغم انها تنتمي، في طريقة تنقيبها، إلى قصدياته المبثوثة في مجمل أعماله والتي تتخذ من البعدين الواقعي والتاريخي منهجاً واسلوبًا وثيمة وسرداً وحكاية، فيوليانا هي رواية التراكم الحدثي وتراكم الفعل الحاصل ما بين الشخصيات وما بين الروائي في تصديه وإدارته للحدث لكي يحول الرواية من مبناها الحكائي الى محورها السردي وهو بهذا يحقق هدفين محوريين في العمل الروائي الأول ايصال الحكاية الى مبتغاها كهدف وقصدية والثاني تحقيق الادارة السردية كسبيل وإدارة متوالية وهذه الخيرة تحتاج الى جهد قرائي وربما حتى الى متابعة تدوينية لملاحقة المخطط المعبر عن روح المكان والشخصيات.
الفكرة
الرواية تعالج قيم الايمان وكذلك المفهوم الالهي ولكنها تناقش الاسباب التي ادت الى ايجاد هكذا نوع من العلاقات بين السلطة المباشرة والسلطة العليا، وكذلك العلاقات المباشرة بين طبقات الناس المختلفة حتى الوصول الى القاع. تلك العلاقات التي تحكمها الموجبات الغيبية وسلبيات التعكز عليها، وتأثير الحاجة التي تحنط العقل، ودور العاطفة بربط ما هو ارضي بالسماء.
لقد اختار نزار عبد الستار مدينة الموصل وهي مدينة الحكاية ليحولها الى مدينة سرد مبحراً ومتعمقاً وحافراً في ماض ليس الهدف كشف مستوره، بل لجعله الامتداد الحقيقي للحاضر، فتاريخ زمن الرواية هو نهاية العقد الثمانيني من القرن العشرين إلا أنها تسقط نفسها على واقعنا الحالي بكل تفاصيله الخاصة والمتعلقة بمسألة تفسير الله وفهمه. إن جو الأب الذي يبحر كثيرًا في المثالية، وابنه حنا الذي يسير بحمل الأب ليثبت ايمانه هما شخصيتان يتابعهما الراوي العليم عبر الارتباط بالعنونة (يوليانا) التي هي الشخصية المحورية التي لا تلامس الحكي او الروي لكنها تتعمق في روح السرد بقبرها الذي سيكون محور العمل والعنوان. إنها القديسة يوليانا الحمالة للشعلة الايمانية الخاصة بالحب والتي تريد اثبات ان الحب اسمى حتى من العبادة لان بغيابه لا معنى للصلاة او التدين.
الرواية كثيمة تأتي في زمن الصراع الذي يعيشه العراق بكل اطيافه وقومياته وهي تعبر عن مسيحيي البلد الذين هم اساس البناء في العراق قبل ان تأتي الاقوام الاخرى ولهذا فان ما تعرضت له الديانة المسيحية عبر سنوات الاحتلال والنزاع الديني المتطرف ربما يفوق ما تعرضت له الفئات الاخرى لكن البطء في المواجهة والاقتلاع والغياب الاعلامي جعل قضيتهم اكثر ابتعدا عن التصديق في هولها او أن أحداً لم ينتبه إليهم.

الشخوص
لا شخصية رئيسة واحدة في الرواية وهو ما يعتمد عليه نزار عبد الستار في اغلب كتاباته حيث تحتشد الشخصيات في عمله الواحد وهي مهمة صعبة تحتاج الى دقة ومتابعة في ربط الخيوط ومهارة في غزولها وهو ما يتمتع به نزار عبد الستار الذي يبدو انه مولع بتراكب الشخصيات وتعامدها مع الحدث لكي يكون عالمنا ضاجا بالمتعة والبحث والقصدية والتأويل، فيوليانا البطلة الرئيسة هي محور العمل وهي اساس التربع على عرش الحكاية وهي السبيل الموصول الى عملية السرد في الرواية وهي بهذا تتحول الى ضمير تارة والى عنوان تارة أخرى والى مدينة تارة ثالثة، فيما تكون هي الصوت الذي يقف خلف جميع الاصوات، والقوة التي تمنح الآخرين مصادر طاقتهم حتى ان ججو الشخصية الثانية التي تتولد عندها هالة من القديسة كلما زار قبرها ولامس بشفتيه رخامتها باعتبارها المقدس المحبوب محولا اياها الى معادل موضوعي لكل الحالات الاخرى المرتبطة بالدين والاخلاق والإيمان والنقطة الفاصلة بين الأبيض والأسود، بين الجنون والعقل، بين البلاد والغربة، بين التواصل والانقطاع، بين القرية والعالم. ولأن الشخصيات تظهر في المواقع الدالة على وجودها في الحكاية فان الرواية تبدأ بملمح تاريخي ذكي من قبل الروائي ليكون الارتباط مهما بين العنونة والتاريخ الاصلي والاصيل للمدينة ( منذ أن مر بها الإمبراطور الروماني تراجانوس سنة 116 الى ان بدأت الحرب العالمية الاولى وبلدة كرمليس منقطة تماما عن المفاخر) ص9 وهو استهلال يمكن أعادة ربطه بالإهداء ذاته وهو اهداء حكائي له علاقة بالثيمة والمكان والزمان ( الى الذين حملوا الصليب وخرجوا من الموصل في 19 تموز 2014) ثم يليه الدخول الى المفتتح الصغير الذي يجمع الشخوص الرئيسة في العمل في بوتقة واحدة وكأنه هنا يريد الإخبار من خلال المستوين القصدي والتحليلي بمعية المستوى التأويلي ان المكان له عمق تاريخي قبل تاريخ الاستهلال ومن ثم اختفاء المفاخر من تلك اللحظة التي مر بها الامبراطور حتى الحرب العالمية الاولى ومن ثم تلك الهجرة او الاصح النزوح الذي حصل بسبب الحرب ولكن هذه المرة على يد عصابات داعش التي اتخذت من الاسلام سبيلا لطرد المسيحيين من المدينة التي بنوها واسسوها هم. وهنا نجد ان ثلاثة اجيال من المسيحيين تعرضت الى النكبات وان الهجرة التي فشل فيها ججو ( الى أميركا ولكنه ينجب حنا ووارينا ويرى يوليانا مجددا في الموصل) ص7 تلعب دوراً مهماً في روح السرد فيوسف كوماني وشمونيا وروز وابلحد بابكا ونوئيل يلدا فضلا عن شخصية اسماعيل دنحا ويهنام وأراسيا وحتى المكان المحوري كرمليس تحولوا الى أنسنة قابلة للتحرك والاحتواء والتمدد مع الحركة الرئيسة لكل شخصية من شخصيات الرواية والتي تتعامد مع الاسماء والاشياء في تأويلاتها وقصدياتها، وإذا ما تابعنا شخصيات مثل مار ادي الرسول والخوري والمطران فجميعها تساهم في التحول الدراماتيكي للصراع الذي رسمه الروائي على لسان راويه لأنه لا توجد حركة أو أسم جديد يدخل في صلب الموضوع إلا وله بعده التاريخي او الزمني ويحاك ويركب لخدمة الحدث فتدور الرواية بهدف سردي موحد وغاية روائية بانورامية دقيقة.

اللغة ومستويات السرد
هذه الرواية تحتاج الى متلق من نوع خاص. متلق قادر على مس الخيوط منذ البدء وإلا فأنه غير قادر على المتابعة الدقيقة وسيظل محكوم بالبحث عن نتائج الروي وليس على قصديات السرد وتأويل الدال الذي يطرحه، ومثل هكذا رواية فان بنائيتها قد لا تبدأ كما تنتهي او أنها لا تعتمد على مستويات محددة فكل الجمل فيها عبارة عن تداخل ثلاثة مستويات وهي الاخباري والتحليلي والقصدي وما يحتويها في كل هذا هو المستوى التصوري المعتمد على لغة مركبة من الدلالات الصورية او الايحائية ولهذا فان بنية الكتابة في رواية يوليانا تعتمد اعتماداً اساسياً على اللغة في قيادة الصراع. لغة المتضادات المتراكمة في الحدث الواحد المستل من مجموعة أحداث، ولهذا نرى ان المتن السردي فيها متنوع ومتوزع والسطر الواحد فيها محمل بدلالات واسماء وأحداث قد تبدو متضاربة لكنها أجزاء مبثوثة متعامدة وهو ما يحتاج الى قدرة لجمعها في بوتقة العمق السردي لاستخراج الدلالات وكذلك تحتاج الى جمعها للمساومة مع الحدث وتحتاج كذلك الى لحظات التعصب في التلقي والاسترخاء في الفهم والمناوبة في الاستمرار
وأمام هكذا اسلوب فقد بدت اللغة قافزة متسارعة مثيرة ومثورة وفيها من التعاكس ما يجعلها قابلة للتزين بأناقة المحتفى وهي صاعدة مع الصراع وافقية مع الحدث وهو ما جعل الاسلوب قادر على تراكم المعلومات وتعدد المصادر واختلاف الرواة الخارجين من فم الراوي الذي يسحب السرد من مستواه الاخباري باتجاه المستوى القصدي. بمعنى أن قصديات الروائي محملة بدلالات فلسفية على لسان راويه ليفجر مكامن ما انغلق من سرد قد يبدو تاريخيا لمدينة مكتنزة بالصراع لكثرة اجندات من يحاربها داخل السرد التاريخي الذي يداهمنا بجديده.
رواية يوليانا لا تكتفي بالمستوى الواحد فكمل المستويات حاضرة في هذه الرواية التي اجترحناها في بيان بنية الكتابة وإيجادنا للمستويات الستة في كل الاعمال الروائية سواء ما كان منها مجتمعة او منفردة وهي في هذه الرواية اجتمعت لتعلن انتصارها على قوة المفردة المتماهية وقوة السرد في مستوياته لإنتاج سرد حكائي وليس حكاية سردية. ولكل مستوى هنا دوره في المساهمة في تقويم الجمالية المتصاعدة للرواية بكل محتوياتها بما فيها المستوى التصوري المسؤول ليس عن اظهار المكان وجوانبه بل حتى تزيين التاريخ والحركة الشخصية للزمن التدويني او زمن الحركة الخاصة بالشخصيات والمرتبطة بالمكان وهو المسؤول عن ربط العلاقات الدالة وقوة الادلة داخل المكان السردي وهو مستوى لا يلد من الغزل بل من خلال اظهار واقعيته الكامنة عبر التوصيف المبرمج بلحظة ذكر التاريخ ومساحته أو عنوانه ولو أخذنا امثلة على المستوى التصويري المحتوي للمستويات الاخرى منها( كانت غرفة المذبح بطول ستة أمتار وعرض خمسة، مدهونة بلون ابيض يظهر الكثير من الظلال والتعرجات على الجدران وفي زوايا السقف، وقد تعاقبت على المكان العديد من الأفكار غير المدروسة) ص16وكذلك ( تعمقت ياسمين في التيه، وتخلى عنها الحس. تدخل البيت صفراء الوجه، وغير قادرة على رؤية ما حولها. تجول كشبح أعمى وتتردد في سيرها وكأنها هائمة في صحراء) ص 146. كما ان المستوى الفلسفي الذي يكون حاضرا في هذه الرواية أكثر من اية رواية أخرى يكون معلماً من معالم ادارة الحدث وبث الافكار التي يريدها الروائي ان تكون حاضرة على لسان راويه او الشخصيات العديدة
( سأله القس سويف بوجل:
من علمك هذا ؟
رد بلا ارتباك:
المنطق قانون العقل، الحب قانون القلب) ص19
وكذلك في قول القس:
(لا يجوز يا بني أن نحب البلبل، ونكره البعوضة. الخير يعني أن ننظر الى ما علينا فعله، لا الى ما ننتظر أن نتلقاه) ص22
( الناس يحبون الله بعد الخطيئة لا قبلها. أنقذهم بالرحمة، ولا تروعهم بالعقاب. الله منحنا الحرية كي يرى أعمالنا، فلا تقيد الناس، واعمل على توسيع قلبك) ص28
( لا تعجبني الكنائس لأنها بارة، ولكنيي احب الله) ص46
أن اللغة في رواية يوليانا انيقة رغم توزع ترابطها السردي لكن معناها موثق في جمالية المفردة المثابرة التي باماكنها توصيف الحدث وتصوير اصراه وتحليل المشهدية وتأويل المصير وفلسفة المعنى وغائية القصد وبالتالي صنع دهشة مقننة بقدرة الروائي على صناعة جملته الروائية بين حالتي الحكاية والسرد.. انها رواية لغة وفلسفة وتبويب لمفاهيم قصدية لا تقف وراءها الاجندات المكانية بقدر ما تريد مناقشتها

تعدد المصادر ولعبة الزمن
بنية الكتابة في يوليانا تعتمد على تعدد المصادر مثلما قلنا وتعدد الشخوص في المتن الواحد ولهذا فان الحركات وتداخلها جعلت من الزمن غير ثابت على مقدار معين من الطول وقد جزأه الروائي في لعبة فنية قد تحسب له إذا ما كان القارئ ملما في جمع الحيثيات ومهتما بالبحث عن نتائج وقادرا على جمع الأدلة ومتمكنا من حصر التأويلات وتحليلها لأنه أي المتلقي سيصادف العديد من الشخوص مثلما يصادف أزمان مختلفة ومتداخلة وان الانتقال الزمني من حدث الى آخر ومن شخصية الى أخرى ومن مكان الى آخر والعكس صحيح بين هذه الفعاليات المساهمة في تثوير الصراع حيث لا فاصلة تصاعدية في رسم المشهدية او التقنية البسيطة في اظهار الحدث التصاعدي إذ يمكن الانتقال في المتن الروائي من مكان الى مكان آخر ومن بؤرة حدث الى أخرى مثلما لا يجوز العودة الى ذات المكان او يجوز بحسب الإدارة التي اختارها الروائي في تنقله المباح وإعادة الاماكن الى طبيعتها وملاحقة الاسترسال الفهمي حول ذات النقطة او تعددها وهو ما يجعل الجمل السردية متعالقة مع الثيمة بقدر الحركة الخاصة بالشخصية من جهة والحركة اللغوية الخاصة بالروائي من جهة أخرى لذا يأتي السرد بمعلومات ماضوية أو حاضرة أو لحظة معيشة في بؤرة ضوئية واحدة.. بمعنى انه لا مانع من ذكر شخصية مثل ججو وهو يركب الفورد ثم يتحدث عن توقع القس في مهمة أخرى ويعود الى ججو وما يفعله أو ما حصل لبهنام وهو يتعذب ينتقل بزمن آخر مع ذات الشخصيات من خلال ضربات سردية متلاحقة ومتلاصقة ومكتنزة بالشخوص والاحداث.

مقالات ذات صلة