العرب وتركيا.. تحديات الحاضر ورهانات المستقبل

-مجموعة مؤلفين –
إذا كانت العلاقات بين العرب والأتراك تضرب عميقاً في التاريخ، فهي لم تعرف يوماً مساراً ثابتاً، بدءاً من مرحلة الهيمنة التركية من خلف الخلافة في أواخر العهد العباسي ، الى ظهور دولة السلاجقة على أقسام من الجغرافيا العربية، وصولا الى بزوغ عهد السيطرة العثمانية على امتداد أربعمئة سنة بين عامي 1516و1918.
غير أن ما كان بعد هذا التاريخ، اختلف جذرياً عن كل ما سبقه. لم تعد العلاقات بين قوميتين مسلمتين في إطار دولة ” الأمة الدينية” بل غارت في خيارات متباينة في معظم الاتجاهات.
مجموعة كتاب ساهموا في إعداد فصوله ولأهمية الطروحات اختارت ” الصباح الجديد” أن تنشر بعض تلك الرؤى والأفكار
الحلقة 41
حيث رفضت تركيا سياسية المحاور وأكدت ان العلاقات التركية مع بعض الاطراف العالمية والاقليمية لا تستهدف أي اطراف اخرى وذلك انطلاقاً من ان تحقيق الاستقرار الاقليمي الدولي يرتبط بصورة عضوية بضمان امن جميع الدول وتجنب التأثيرات السلبية لسياسات التقسيم والانحياز في استقرار المنطقة وتعد تركيا نفسها في هذا الخصوص مركزاً لتعزيز التنسيق الامني في المنطقة.
وفي هذا الاطار لم تتحمس انقرة لمبادرة الرئيس السوري بشار الاسد الخاصة بالبحور الاربعة التي عبر عنها في اكثر من مناسبة كان اخرها في ايار/مايو 2010 وذلك في اثناء افتتاحه مع نظيره التركي عبد الله غول المنتدى الاقتصادي السوري-التركي وتقوم المبادرة على الربط بين بحر قزوين والبحر المتوسط والخليج العربي والبحر الاسود من خلال التنسيق السوري-التركي المشترك مع الدول المطلة على هذه البحار (ليس هناك اي موقف تركي او تصريح بعكس حماسه تركيا او عدم حماستها لمقولة الاسد في شأن البحار الاربعة).
(3) استراتيجية الاعتماد المتبادل ترى تركيا ان الاعتماد المتبادل ترى تركيا ان الاعتماد المتبادل وتوسيع قاعدة المصالح المشتركة وسيلتان لدعم الاستقرار واحلال السلام في مختلف ارجاء العالم وترى ان انجاز ذلك من شأنه ان يقضي الى تجاوز مرحلة التعاون الى مرحلة اكثر تقدماً بما يحقق التكامل والاندماج المؤسسي على المستويات السياسية والاقتصادية والامنية بين تركيا والعديد من دول العالم وقد ساهمت هذه الاستراتيجية في اعادة صوغ العلاقات التركية مع الدول الافريقية وقد عبرت عن هذا التوجه زيادة عدد المكاتب الدبلوماسية لتركيا في افريقيا وزيارات تركية رفيعة المستويات الى عدد من الدول الافريقية.
(4) التنسيق بين تركيا والقوى العالمية ترى تركيا ان اهدافها تتعلق بأن تغدو خلال النصف الاول من القرن الحالي احد اللاعبين الاساسيين على الصعيد العالمي وهي تعتبر انها مرشحة لأداء هذا الدور اضافة الى دول مثل مصر والبرازيل وجنوب افريقيا لتلتحق بقوى عالمية كبرى مثل الهند والصين وروسيا.
وتجسيداًَ لهذه الاستراتيجية وقعت تركيا والصين في تشرين الاول/اكتوبر 2010 ثماني اتفاقات اقتصادية تستهدف رفع حجم التجارة المتبادلة بين البلدين من 17 مليار دولار الى 50 مليار دولار خلال الخمس سنوات المقبلة هذا فيما تطورت العلاقات التركية الروسية في ظل اعتماد الاقتصاد التركي على الغاز الطبيعي الروسي حيث تمد روسيا تركيا بزهاء 68 في المئة من حاجتها كما ان اكبر شريك تجاري لتركيا لم يعد المانيا بل روسيا حيث ارتفع حجم التبادل التجاري بين البلدين الى زهاء 40 ميار دولار بعد ان كان 8 مليارات دولار في عام 2001.
3- النظرية العثمانية الجديدة
العثمانية الجديدة هي رؤية تحدد هوية تركيا تبنتها قوى اجتماعية وسياسية وبدأت في النمو في عهد الرئيس الراحل تورغوت اوزال خلال ثمانينيات القرن الخالي وارتكزت على ثلاثة مرتكزات اساسية اولها ان تتصالح تركيا مع ماضيها العثماني والاسلامي متعدد الثقافات والاعراق وثانيها الاحساس بالثقة بالنفس والتخلص من الشعور بالضعف وثالثها استمرار الانفتاح على الغرب والاندماج مع الشرق في الوقت نفسه على المستوى الداخلي تعني العثمانية الجديدة اعادة الاعتبار الى مبادئ المواطنة التركية من خلال احترام العلمانية التي لا تتدخل في شؤون الدين وتعيد المجال العام الى المجتمع فيما تكتفي الدولة بتنظيمه بحيث تكون الدولة بمؤسستها المختلفة اكثر قرباً من الشعب من خلال تنمية ثقة الدولة في المجتمع وافساح الطريق امام المبادرات المجتمعية الحرة لبناء المجال العام والمشاركة في صنع السياسات العامة وعلى المستوى الخارجية تعني العثمانية الجديدة المزج بين القوة اللينة والخشنة واستخدامها بتوازن لتحقيق اهداف السياسة الخارجية التركية ان تعريف العثمانية الجديدة على هذا النحو وخصوصاً السبب الثالث وعلى المستوى الخارجي ليس من سند له في اي من ادبيات قادة حزب العدالة والتنمية.
وتعد تركيا في ظل حكم حزب العدالة والتنمية انها لا تتبع سياسة امبريالية جديدة تستهدف بعث الامبراطورية العثمانية بل تسعى الى استعراض القوة اللينة لتركيا كسجر بين الشرق والغرب وكأمة اسلامية و دولة علمانية ونظام سياسي ديمقراطي وكقوة اقتصادية رأسمالية وعلى غرار الديغولية الفرنسية تسعى العثمانية الجديدة الى تحقيق “العظمة” والنفوذ التركيين عبر السياسة الخارجية التركية.
وثمة اهتمام واضح في كتابات اوغلو بتاريخ تركيا باعتباره يعكس تقاليد تركيا في الاصلاح والنجاح في تحقيق النظام والاستقرار على المستوى الاقليمي وتوفير صيغ للتعايش بين مختلف الهويات والجماعات العرقية واستدعاء تاريخ تركيا لتأكيد جدارتها بممارسة دور على الصعيدين الاقليمي والعالمي لايقتصر على حديث اوغلو وكتاباته فحسب والتي انتشرت فيها العديد من القيادات التركية مثل الرئيس التركي عبد الله غول ورئيس الوزراء التركي رجب طيب اردوغان الذي عبر في الكثير من المواقف عن ان الاتراك هم احفاد العثمانيين لاسيما بعد ازمة قافلة الحرية مع اسرائيل حيث اشار اردوغان الى ان الاتراك احفاد العثمانيين احسنوا استقبال اليهود حيث اضطهدهم دول غربية.
وتجسد هذه الرؤية التحولات الحاصلة في مدركات النخبة التركية فتلك الموالية للغرب التي ادارت السياسية الخارجية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية قد حلت محلها نخبة اكثر تديناً ومحافظة ووطنية غير انها تتسم الثقة المطلقة تجاه الغرب وتسيطر عليها نزعة ايجابية ازاء الماضي العثماني لتركيا فحزب العدالة والتنمية نجح في الاعتماد على الوعي القومي المتصاعد ودمجه بالإسلام التركي في كل واحد متماسك.

ثانياً : المحددات الداخلية
لتحولات السياسية الخارجية التركية
على الرغم من ان محددات السياسة الخارجية التركية الرئيسة ، التي تتمثل في ثقلها الديموغرافي وموقعها الجيوسياسي والجيوستراتيجي والخلفيات التاريخية التي تتمتع بها فضلا عن القدرات السياسية والاقتصادية والعسكرية للدولة التركية ، ظلت حاضرة على دوام في عمليات صوغ السياسية الخارجية التركية ، يبد ان ثمة تطورات اسهمت في إحداث تحولات كبرى في توجهات السياسية الخارجية التركية على الساحتين الإقليمية والدولية .
1-المحدد السياسي
عبرت عملية صنع السياسة الخارجية التركية على الدوام عن “أزدواجية تعددية” تعكس طبيعة الأوزان السياسية النسبية للقوى المشاركة والمتداخلة في عملية صنع هذه السياسة ، وقد ارتبط هذه الأزدواجية بالتناقض الذي اكتنف عملية صنع القرار في ما يخص السياسة الخارجية نتيجة لمستويين :
الأول: يرتبط بما يسمى في بعض الأدبيات السياسية “الطبيعة المزدوجة لعملية صنع السياسة الخارجية التركية” ، حيث وقفت بيروقراطية الدولة العتيقة التي تسيطر على هواجسها علمانية الدولة ومبادئ أتاتورك الستة ، فضلا عن وحدتها الداخلية وتماسكها الأقليمي . هذا فيما وقفت على الجانب الأخر النخب السياسية الحكومية التي سيطرت عليها الأبعاد السياسية والثقافية والدينية ، وهو ما جعل طبيعة التوازنات الدقيقة بين القوى الفاعلة في عملية صنع السياسة تنعكس تلقائياً على توجهات السياسية الخارجية التركية على الصعيدين الأقليمي والدولي .
والثاني: يرتبط بما أتسمت به عملية صنع السياسة الخارجية التركية من تعقيد وازدواجية انطلاقا من الشعور الدائم لدى النخب الحاكمة بالتيه من جراء عم القدرة على تحديد وحسم هوية الدولة الأتاتوركية وجغرافيتها بين الشرق والغرب على مدى عقود خالية ، ما أدى الى خلق فجوة بين الصفوة والمعطيات الجغرافية ، ولم يكن ذلك الأنقسام مقصورا على النطاق الداخلي فحسب ، بل نتجت من التعدد الفكري حول هوية تركيا وانتمائها الجغرافي ، ظاهرة عدم قبول تركيا كواحدة من دول الشرق الأوسط ولا كواحدة من بلدان المجموعة الأوروبية.

مقالات ذات صلة

التعليقات مغلقة